shopify site analytics
بين الموت الثقافي والموت الحقيقي - السلطات المحلية تعزي آل رفعان - هوءلا هم الذين "يشطّطون" الجبهة الداخلية..وهذه هي صفات الذين لا يُمكن لهم أن يحكموا.. - ما عاد عرفنا أيش يشتوا؟ - معجونة مايا الصعيدي تحقق 300 الف مشاهدة خلال اسبوع "فيديو" - تحالف العدوان يواصل منع وصول طائرات المساعدات الانسانية والاغاثية الى مطار صنعاء - عمومية البنك اليمني للإنشاء والتعمير تعقد اجتماعها الـ 54 و تقر الميزانية العمومية - في الحلقة الثالثة على التوالي منارات يناقش التعليم في ظل الطوارئ - العميد دكتور سنان سعدان. في معتقلات الجماعة. - تعليق الخارجية الامريكية على استقبال بوتن الحار لبشار الاسد -
ابحث عن:



صنعاء نيوز - د . باسل مولود يوسف - د . هدى أحمد الجنابي

الأحد, 18-يونيو-2017
صنعاء نيوز/ د . باسل مولود يوسف - د . هدى أحمد الجنابي -
المقدمة
رحل الرئيس العراقي الأسبق عبدالرحمن محمد عارف يوم الجمعة في أحد مستشفيات العاصمة الأردنية عمان، عن عمر ناهز الواحد والتسعين عاماً، بهدوء كما كان هادئاً أثناء فترة حكمه التي امتدت الى سنتين وثلاثة اشهر.
عندما تولى عبدالرحمن عارف حكم العراق خلفاً لشقيقه عبدالسلام عارف، بعد تحطم طائرته في جنوب العراق في 13 ابريل عام 1966 كان العراق على موعد مع رئيس من نمط جديد مغاير لمن سبقوه منذ قيام العراق ككيان عام 1921 أو بالتحديد منذ قيام الجمهورية عام 1958 فإن عبدالرحمن عارف لم يكن مثل عبدالكريم قاسم، أو عبدالسلام عارف. الرئيس الجديد شخص مسالم جداً، ومتسامح الى أبعد الحدود، وغير ملم باللعبة السياسية، وكما يقول اللواء فؤاد عارف نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير اعمار الشمال ابان حكم عبدالرحمن عارف انه (من اهل الله)( )، أي انه طيب وبسيط ولا يعرف اللف ولا الدوران، وكان عادة عندما يحتار في قضية ما يتبنى رأي آخر شخص يقابله.
ومنذ قيام الجمهورية في العراق وحتى الاحتلال الأمريكي في أبريل 2003 لم يقم رئيس عراقي بزيارة الكويت، إلاّ عبدالرحمن عارف، فهو الرئيس العراقي الوحيد الذي زار الكويت زيارة رسمية في 23 اغسطس 1967 وسبقها بزيارة ايران، وهو الوحيد أيضاً من رؤساء العراق الذي زار طهران منذ قيام الجمهورية.
عبدالرحمن عارف كان احد افراد تنظيم الضباط الاحرار الذين اشتركوا في اسقاط الملكية في 14 يوليو 1958 وبسبب خلاف عبدالكريم قاسم مع شقيقه عبدالسلام عارف أحيل الى التقاعد، ولما سقط قاسم وآلت رئاسة العراق الى شقيقه الاصغر عبدالسلام عهد اليه في عام 1964 برئاسة اركان الجيش العراقي، وكان في موسكو يوم قتل اخوه، واجتمعت المؤسسة العسكرية فوراً، وكان يجب عليها ان تختار عبدالرحمن محمد عارف أو رئيس الوزراء- آنذاك- عبدالرحمن البزاز، لكن الاختيار وقع على عارف، ويقال حينها ان المشير عبدالحكيم عامر زار بغداد واوصى باختيار عبدالرحمن عارف لما عرف عنه وعن شقيقه عبدالسلام عارف من ميولهما للناصرية.
وكانت فترة حكمه لا تذكر انها اضافت شيئاً لتاريخ العراق، وفي السابع عشر من يوليو 1968 عندما قاد حزب البعث انقلابه العسكري طلب من قادة النظام الجديد مغادرة العراق الى لندن كي يبقى إلى جانب زوجته المريضة، والتي كانت تعالج هناك، ومنها الى تركيا، حيث امضى اكثر من عشر سنوات في مدينة اسطنبول حتى عام 1980 حيث كتب الى الرئيس صدام حسين يرجوه الموافقة كي يعود الى بغداد، وعاد واجرى له النظام راتباً شهرياً، وعاش في داره بهدوء حتى غادر العراق في عام 2004 الى عمان الرئيس عبدالرحمن محمد عارف في الأردن ويوارى جثمانهُ هناك.
وبغية الإحاطة الشاملة بموضوع البحث ارتأينا تقسيمهُ إلى مبحثين, ناقشت في الأول سيرة حياة الرئيس عبدالرحمن محمد عارف واستلامه للسلطة وأهم الأحداث التي جرت في عهده ووفاته, وبينت في الثاني, أهم وزارات الرئيس عبدالرحمن محمد عارف.













المبحث الأول
ولادة ونشأة الرئيس عبدالرحمن محمد عارف
عبدالرحمن محمد عارف من مواليد بغداد 1916م, عائلته متحضرة وكان والده من عائلة دينية. والده محمد عارف بزازاً في منطقة الكرخ وينتمي إلى عشيرة جميلة العراقية الأصيلة.
ولد عبد الرحمن عارف في بغداد محلة سوق حماده الشعبية احدى مناطق الكرخ ببغداد عام 1916م وترعرع فيها( ). في الخامسة من عمره سجلهُ والده عند الملا داود في نفس المحلة المذكورة وتعلم وختم قراءه القران الكريم. وكذلك تعلم القراءة والكتابة ومبادئ الحساب وعند ما سجله والده في مدرسة دار السلام الابتدائية، اجرت لهُ المدرسة امتحان قبول في حينها ولتفوقه تم قبولهُ في الصف الثالث ابتدائي. وبعد أن اكمل الدراسة الابتدائية قبل في متوسطة الكرخ ثم الثانوية المركزية وتخرج فيها بتفوق.
الرئيس الراحل هو أب لولدين هما قيس ونبيل وثلاث اخوات بنات تزوج عارف من السيدة فائقة عبد المجيد فارس العاني, وولده الأكبر قيس كان ضابطاً في الجيش العراقي وله اخ ثان اسمه نبيل( ).
التحق عارف بالجيش العراقي في شبابه حيث اخذته روحه الوطنية العالية وحبه لخدمة بلده العراق الى التطوع والانتظام كتلميذ في الكلية العسكرية (تسمى آنذاك المدرسة العسكرية)، وتخرج فيها برتبة ملازم ثان في 4/7/1937( ). حيث تنقل في مختلف المناصب تدرجاً وخدم في عدة محافظات ومدن منها الناصرية، كركوك، بغداد، بعقوبة، جلولاء.
وفي عام 1952 انتقل محل سكناه الى منطقة الاعظمية حيث شيد داراً هناك، وكان برتبة نقيب. وفي عام 1963 انتقل محل سكناه مع العائلة الى مدينة اليرموك حيث دور الضباط ولا زالت تلك الدار باقية لحد الان يسكن فيها بعض من افراد العائلة. وتدرج في المناصب العسكرية حتى بلغ رتبة لواء في 1964 وشغل عدة مناصب عسكرية هامة، وفي تموز 1966 رقي اللواء عارف إلى رتبة (فريق) حسب استحقاقه العسكرى.
ويتابع بعد شهرين على 14 تموز 1958 حصل خلاف بين قائدي الثورة الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم ونائبه العقيد الركن عبد السلام عارف (شقيق الرئيس الراحل عبد الرحمن عارف) وعلى أثره أقصى العقيد الركن عبد السلام من منصبه ثم عين سفيراً في ألمانيا الغربية، وعلى الرغم من كل ذلك استمر شقيقه العقيد عبد الرحمن عارف في منصبه العسكري في الجيش ولم يتعرض إلى أي مضايقة حتى عام 1962 حيث أُحيل على التقاعد( ).
ظهر اسم عارف في مراحل كثيرة ضمن تاريخ المؤسسة العسكرية العراقية ولكن ابرز المحطات كانت في عام 1963 عندما اختاره شقيقه الأكبر الرئيس عبد السلام عارف بمنصب رئيس أركان الجيش العراقي وبالطبع كان بالوكالة لأن عبد الرحمن لم يكن يحمل شارة الاركان ولم يحاول ان يحصل عليها بطريقة المنح وحتى عندما اصبح رئيساً للجمهورية لم يمنحها لنفسه لاحترامه وتقديسه للسياقات العسكرية( ).
توجه عبدالرحمن عارف بصفته رئيس أركان الجيش إلى موسكو في الأسبوع الثاني من نيسان عام 1966 على رأس وفد عسكري، وخلال وجوده هناك تلقى يوم 13 نيسان 1966 نبأ مصرع شقيقه، وعلى أثر ذلك قطع اللواء عارف زيارته للاتحاد السوفيتي وعاد إلى بغداد مسرعاً للمشاركة في مراسيم تشييع جثمان شقيقه الرئيس عبد السلام عارف( ).
كان مهموماً وحزيناً وشارد الذهن من هول الصدمة وكان جل تفكيره العثور على السبب الحقيقي لاحتراق الطائرة وكان قلق الى أن وصل تقارير الخبراء فصبر محتسباً الى الله على قدره مردداً: (انا لله وانا إليه راجعون)، ولم يكن يدري أنه سيدخل في المنافسة على موقع الرئاسة التي لم تدر بخلده يوماً ما وأبداً لم يفكر فيها أو يحلم بها أو طمع بها أو طمح اليها( ).
بعد انتهاء مراسيم تشييع جثمان الرئيس الراحل عبد السلام عارف تجمع حوله الجماهير والمؤيديون من كبار القادة وبعض السياسيين مطالبين ترشيحه للرئاسة وذلك سلامة للجو العام وحفاظاً على المكتسبات التي انجزت في حينها.
كان اهدأ المرشحين وهناك ما يدل على أنه كان يعرف أن إلحاح كل من البزاز والعقيلي على ترشيح نفسيهما للرئاسة سيؤدي الى أن يكون هو المرشح الاكثر قبولاً للناس ومن قبل الضباط المشتركين في التصويت( ).
حاولت مراكز القوى المتواجدة في داخل الدولة والقوات المسلحة بعد وفاة الرئيس عبدالسلام عارف الحفاظ على السلطة في العراق وتمثلت بخطين رئيسين، كبار الضباط الذين وقفوا إلى جانب رئيس أركان الجيش شقيق عبدالسلام عارف، وتياره المنادي بالاستمرار بنفس برنامج عمل الرئيس المتوفي. والمدنيين الذين وقفوا إلى جانب رئيس الوزراء المدني عبد الرحمن البزاز وتياره المنادي بالانفتاح على الغرب بالإضافة الى الجو العربي كان مع عبد الرحمن عارف( ).
ذكر خالد محي الدين بأن حكومة عبد الناصر كانت تفضل ترشيح عبدالرحمن محمد عارف رئيساً للعراق بهدف الرغبة باستمرار ما بدأ به اخيه لميلهما المشترك للتيار الوحدوي( )، وبعد هذا الجو من المنافسة السلمية الحادة انعقد مجلس الوزراء ومجلس الدفاع الأعلى المكلف باختيار الرئيس اجتماعاً مشتركاً يوم 16 نيسان 1966 تم خلاله انتخاب اللواء عبدالرحمن عارف رئيساً للجمهورية وحسم الامر، وفقاً للدستور قدم رئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز استقالة حكومته للرئيس الجديد الذي كلفه بإعادة تشكيلها ثانية، وفي أب 1966 كلف العميد ناجي طالب برئاسة الوزراء التي استمرت لغاية أيار 1967 حيث تولى الرئيس عبدالرحمن عارف نفسه رئاسة الوزراء إضافة إلى رئاسة الجمهورية لغاية تموز 1967 حيث تولى رئاسة الوزراء الفريق طاهر يحيى لغاية 17 تموز.
وقف وقفة عراقية مشرّفة، حين ودع قطعات الجيش العراقي المتجهة إلى جبهة الحرب مع اسرائيل ويتلو وصيته الشهيرة: (لا تقطعوا شجرة، ولا تقتلوا طفلاً أو شيخاً) وخصوصاً وأن الحرب الحديثة لا تعرف الرأفة أبداً وكان ابنه قيس عبدالرحمن محمد عارف أحد الآمرين من الضباط المشاركين في هذهِ الحرب( ).
الذين عاصروا فترة حكم الرئيس عبدالرحمن محمد عارف وكذلك المؤرخون يؤكدون أن العراق شهد في عهده استقراراً وأماناً وشيئاً من الديموقراطية, فقد فسح المجال لمعارضيه للتعبير عن آرائهم بحرية كما أتيح المجال للصحافة الحرة من خلال صدور صحف مستقلة، وقد اتصف بكونه شخصية متسامحة ومسالمة ونزيهة, وقال ابنه قيس عبدالرحمن محمد عارف للمعزين خلال مراسيم التشييع في الأردن أن: (التاريخ سيذكر أن والدي حكم العراق وغادر الحكم ولم تلوث يداه بأموال الشعب العراقي أو دمائه)( ).
بهدوء وراحة ضمير توفي الرئيس عبدالرحمن محمد عارف يوم الجمعة عن عمر يناهز 91 عاماً في مدينة الحسين الطبية في العاصمة الأردنية عمان والوفاة حصلت بسبب كبر سن الرئيس عارف وليس بسبب وجود لأي مرض عضال، والذي دخل المستشفى قبل ثلاثة أسابيع من وفاته إثر شعوره بالإجهاد. وقرر العائلة أن يتم الدفن في الأردن، نظراً لصعوبة نقله إلى العراق لخطورة الاوضاع الأمنية هناك في ذلك الوقت، وتم تشييع جثمان الرئيس الراحل إلى مثواه الأخير في مقبرة شهداء الجيش العراقي في منطقة المفرق قرب الحدود الأردنية- العراقية، وشارك في مراسيم التشييع ممثلون عن رئاسة الجمهورية والحكومة العراقية، وسياسيون ووزراء ودبلوماسيون في عهده وعدد كبير من أبناء الجالية العراقية من مختلف الاتجاهات والأعمار وهو الرئيس العراقي الوحيد الذي يتوفى وفاة طبيعية مقارنة بظروف الرؤساء الذين سبقوه أو خلفوه في حكم( ).
اختلفت الآراء بتقييم الرئيس الراحل عبدالرحمن عارف سواء على أيام عهده أم على الأيام والسنين التي تلته. ويبدو أن ما كتب عنه يبدو قليلاً مقارنةً بما كتب عن الزعيم عبدالكريم قاسم أو الرئيس صدام حسين- مثلاً- لاختلاف التأثير ونوعية الحكم وبحكم الاستقطابات الايديولوجية؛ ذلك لأن الأخوين عارف قد عُتّم على تاريخهما تعتيماً شبه كامل منذ العام 1968 كما عتّم على كل الرجال العراقيين الذين كان لهم تأثير في السياسة العراقية عهد ذاك أمثال: عبدالرحمن البزاز وعارف عبدالرزاق وطاهر يحي وعبدالعزيز العقيلي وناجي طالب وصبحي عبد الحميد وعبد الكريم فرحان وشكري صالح زكي وغيرهم( ).
لقد أُشيعَ عن عبدالرحمن عارف الكثير وأُطلقت عليه تسميات غير لائقة من قبل العراقيين أنفسهم, بل وعدت مسالمة الرجل ضعفاً، ونزاهة الرجل خوراً، وترفّع الرجل عن أي طائفية أو تحزّب ضياعاً( ).
كان يعتمد اعتماداً أساسياً على رئيس وزرائه في شؤون الحكم وقيادة البلاد ولا يعتبرها النقاد والمؤرخين مثلبة في مجتمع مؤسساتي! ولكن العراق لم يكن بلاداً مؤسساتية أبداً، وقد ساد العراق في عهده تصارع الأجنحة، المدنية منها والعسكرية، فلم يكن العسكريون براضين علي وجود الدكتور عبدالرحمن البزاز رئيساً للوزارة، واضطر البزاز في آخر الأمر الي تقديم استقالة حكومته تحت ضغط القادة العسكريين، في 16 آب/ أغسطس 1966. كما لم يتقبل كل من الناصريين والقوميين بقاء عبدالرحمن عارف في السلطة، فكانت محاولتهم الفاشلة ضد عارف وكانت بقيادة عارف عبدالرزاق وبتخطيط من دوائر المخابرات المصرية باعتراف عارف عبد الرزاق نفسه( ).
علاقة الرئيس العراقي السابق عبدالرحمن عارف مع عبدالكريم قاسم
عاش عبد الرحمن عارف حياته ضابطاً ليست له مؤهلات عليا أو لامعة في القيادة، ولكنه كان في منتهى التواضع لا السذاجة, لا يهتم بمظاهر الفخفخة والتظاهر والعجرفة والاستعراضات الفارغة, كان زميلاً للزعيم عبدالكريم قاسم- الذي ولد عام 1914- أيام الكلية العسكرية وكان الأخير آمراً عليه, وقد كان بينه وبين اخيه عبدالسلام مسافات واسعة في شخصية كل واحد منهما ولكنهما يشتركان بمزية واحدة هي نزاهة اليد، فقد دخل كلاهما قيادة العراق وخرجا منها من دون أن يملكا شيئاً الا راتبهما التقاعدي( ). ولكنها صفة غير استثنائية أيضاً في حياتهما، إذ أن كل القادة والزعماء العراقيين السابقين كانوا يقدسون جميعهم المال العام للبلاد وحتى أولئك الذين اتهموا بالاختلاسات الكبرى ملوكا وامراء وقادة وزعماء ورؤساء حكومات لم يعرف عنهم انهم نهبوا العراق أو اعتدوا على المال العام، والكل كان يسمع بما أُشيع عن طاهر يحي كونه غير نزيه في حكمه، واذا به يرحل وهو لا يملك غير بيته( ).
كان عبد الرحمن قد وقع تحت تأثير عبد السلام منذ عهد بعيد، إذ كان للأخير شخصية قوية ومسيطرة، وقد قيل أن اشتراكه في التخطيط للانقلاب العسكري على العهد الملكي كان بالاسم فقط في بداية الأمر، ولكن وجد نفسه ينساق مع مصير كل من اخيه عبدالسلام وصديقه عبدالكريم( ).
استلام عبدالرحمن محمد عارف السلطة
ليس غريباً على العراقيين أن يرث الابن أباه والأخ أخاه في أي سلطة اجتماعية, ولكن أن يرث الاخ الحكم عن أخيه في حكم جمهوري جديد، فهذهِ سابقة خطيرة تسجل على العراق, كما سجل العراقيون أول انقلاب عسكري في تاريخ المنطقة عام 1936! وليكن معلوماً بأن تنصيب عبدالسلام عارف رئيساً للجمهورية العراقية لم يكن شرعياً أو أنه اكتسب الارادة الشعبية من خلال أية انتخابات عامة وبنفس السيناريو الذي حدث في مصر على عهدي كل محمد نجيب وجمال عبد الناصر( ).
نصّب البعثيون عبدالسلام عارف رئيساً ومنحوه رتبة مشير ركن في الانقلاب العسكري الشهير ضد الزعيم عبدالكريم قاسم عام 1963 وقيامهم بإعدام عبدالكريم قاسم. ولما قتل عبدالسلام في حادث غامض لم تكشف اسراره حتى اليوم إذ انفجرت طائرته الهيلوكبتر قرب البصرة عام 1966. ولم يكد يذاع خبر مصرع عبدالسلام عارف، في حادث الطائرة المروحية، حتى بدأ الصراع على قمة السلطة، وكانت أطراف الصراع تتمثل أساساً في جبهتين رئيسيتين، عسكرية ومدنية والعسكريون كانوا ممسكين بزمام القوة، حيث يسيطرون على كل المراكز الأساسية في الجيش، وقد وقفت هذهِ الجبهة الي جانب اللواء عبدالرحمن عارف، شقيق عبدالسلام عارف، وكان بمنصب وكيل رئيس أركان الجيش آنذاك بالإضافة إلى قيادة الفرقة العسكرية الخامسة المدرعة( ).
أمّا الجبهة الثانية فكانت مدنية تتمثل برئيس الوزراء عبدالرحمن البزاز. وبموجب الدستور فإن انتخاب رئيس الجمهورية، في حالة شغور المنصب، يتمّ من قبل مجلس الوزراء، ومجلس الدفاع الأعلى بصورة مشتركة. وهكذا فقد بادر مجلس الوزراء، ومجلس الدفاع الأعلى بعقد اجتماع عاجل في 16 نيسان/ أبريل 1966، لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، وقد طُرحت في الاجتماع ثلاثة أسماء: اللواء عبدالرحمن عارف، وكيل رئيس أركان الجيش، وقائد الفرقة الخامسة المدرعة. والدكتور عبدالرحمن البزاز، رئيس الوزراء، واللواء الركن عبد العزيز العقيلي، قائد الفرقة العسكرية الأولي وزير الدفاع( ).
دور مصر في التأثير على اختيار عبدالرحمن محمد عارف
كتب أمين هويدي- السفير المصري ببغداد- في ذلك الوقت حول دور الرئيس جمال عبدالناصر في تنصيب عبدالرحمن عارف، وقد استهزأ كل من عبدالمجيد فريد وأمين هويدي بالرئيس عبدالرحمن عارف عندما كانا ضمن المستقبلين في مطار المثنى قادماً من الاتحاد السوفييتي، وهما يبلغانه في السيارة بأنه سيكون رئيساً للعراق قبل أن ينعقد أي اجتماع لاختيار الرئيس( ).
هذا بالإضافة إلى أن عبد الرحمن عارف يتسم بالضعف وعدم القدرة علي إدارة شؤون البلاد، وقلة طموحه، فقد جعل الجميع يرضخون لانتخاب عارف، ويفضلونه على أي مرشح آخر، حيث اعتبروه أقل خطراً من غيره علي مراكزهم في السلطة. وهكذا تولى عبدالرحمن عارف رئاسة الجمهورية، فيما بقي البزاز رئيساً للوزارة، وكان نظام عبدالرحمن عارف امتداداً لنظام أخيه عبدالسلام وبقي محور النظام يستند علي الحرس الجمهوري.
صفات الرئيس عبدالرحمن محمد عارف
عُرفَ عن بعض العراقيين انهم ان لم يرضوا سياسياً على شخص معين نعتوه بصفة سيئة أو ساخرة، وان وقفوا ضد جماعة معينة اطلقوا عليها كل المنكرات. فقد كانوا يسمّون عبدالسلام عارف بـ (حجي مشن) وطاهر يحي يلقبونه بـ (سفن أب) وعبدالرحمن عارف بـ (الخروف)( ).
كان عبد الرحمن عارف يحب كل الناس ولم يُذكر أبداً أنه كره أحداً، أو كان له موقف من أحد، بل ولم تكن له أي نزعة طائفية أو شوفينية بل يبدو انه قد تشّرب بالروح العراقية ولكنها مشوبة بفكرة قومية ودينية بحكم تكوينه وأصوله وتربيته إبان الثلاثينيات التي شهدت أيام غازي الأول موجة قومية عارمة في العراق.
كان يصدّق القول من دون أن يشك أبداً في أي من الذين يعمل معهم أو الذين يقودهم, بل يقال أن الرئيس أحمد حسن البكر الذي كان يتردد على مكتبه في القصر دوماً برفقة محمود شيت خطاب يخبره بكل صغيرة وكبيرة وفي كل مرة يطلعه على أي مؤامرة ويخدعه لحين ضرب ضربته بالاستيلاء على السلطة، ويُقال أن عارف استدعى البكر يوماً بعد سماعه بتدبير انقلاب ضده، فوبخه كثيراً، فما كان من البكر إلاّ أن أقسم أغلظ الايمان بإخلاصه له وانكر التهمة الموجهة اليه، ونجح البكر مع أخلص الضباط العارفيين وفي مقدمتهم: ابراهيم الداوود وعبدالرزاق النايف وفاروق عمر. وتلك كانت واحدة من مثالب عبدالرحمن عارف أنه بحسن نيته وتصديقه مما فقد السلطة من بين يديه, فلم يدرك كيفية حكم العراق، وأن لا سبيل لتقدمه وازدهاره إلاّ منح الحقوق لكل مواطنيه بأساليب مدنية( ).
أوصله القدر الى حكم العراق ولم يستطع البقاء في السلطة كونه لا يصلح أساساً للحكم بمثل هذهِ القياسات والأساليب وحسن النوايا، وخصوصاً للعراق الذي يعد من البلدان الصعبة, فلقد غادر التاريخ منذ أن سّلم مقاليد العراق فجر يوم 17 تموز/ يوليو 1968 ولن يترك أية بصمات تاريخية حقيقية في تغيير العراق, كما ولم يستطع أن يفرض هيمنته على القادة من العسكريين العراقيين الكبار الذين كانوا يسيطرون على مراكز القوى، كما ولم يستطع أن يحّول نمط الحكم الى الحياة المدنية وبناء المؤسسات وبالرغم من مسالمته ووطنيته، إلاّ أن مغادرته التاريخ جعل العراق كله يسلك تاريخاً من نوع آخر نعيش كل كوارثه وأهواله هذهِ الايام( ).
بالرغم من أن ما أكده قيس محمد عارف أن ما حصل لعمه الرئيس عبدالسلام عارف كان قضاءً وقدراً وليس عمل مخططاً له بفعل فاعل أو جهة وحسب اطلاعه على التقارير الامنية والطبية التي عرضت على أبيه في حينها إلاّ أنه سيمضي زمن طويل أمام المؤرخين كي يكتبوا ما قد يترشح من معلومات دقيقة وجديدة حول مقتل الرئيس عبدالسلام بحادث احتراق طائرة الهليكوبتر التابعة للجيش العراقي فوق محافظة البصرة.
الطائرة التي أقلت عبدالسلام عارف رئيس الجمهورية وبعض الوزراء والموظفين الكبار والمرافقين وطاقمها من القرنة الى البصرة يوم الاربعاء 13 نيسان سنة 1966 أودت بحياتهم دفعة واحدة( ).
هكذا كان الوضع في العراق بعد لحظات من التأكد من وفاة الرئيس عبدالسلام وسريان نبأ فقدان الطائرة التابعة لرئيس الجمهورية, أُحيط اعضاء مجلس الوزراء والمسؤولين والمقربين علماً حتى عثور الدوريات على حطام الطائرة المذكورة في الرابع عشر من نيسان, تولى رئيس الوزراء عبدالرحمن البزاز سلطات رئيس الجمهورية وفقاً للمادة التاسعة من المادة (55) المعدلة من الدستور المؤقت وأُعلِن الحداد الرسمي في البلاد لمدة ثلاثين يوماً وأذاع البلاغ الرسمي وساد البلاد نوع من الحزن الرسمي والشعبي وبادر كل من البزاز ووزير دفاعه عبدالعزيز العقيلي لترشيح نفسيهما الى منصب رئاسة الجمهورية إلى الهيئة التي تضم مجلس الدفاع الوطني ومجلس الوزراء لمنصب الرئاسة( ).
حيث ساد جو من الترقب وبرزت فكرة تكوين مجلس وطني من عشرين عضواً من الضباط تنبثق عنه لجنة مكونة من خمسة اشخاص هم: طاهر يحيى وأحمد حسن البكر وعبدالعزيز العقيلي وناجي طالب وعبدالرحمن عارف شقيق الرئيس الراحل عبدالسلام محمد عارف. فتولت هذهِ اللجنة بحث شكل رئاسة الدولة أي عدد أعضاء مجلس الرئاسة وكان مجرد ذكر اسم أحد هؤلاء الخمسة يستفز أكثرية الضباط ولهذا السبب صرف النظر عن تكوين المجلس الوطني من عشرين ضابطاً وبالتالي صرف النظر عن اللجنة الخماسية التي أُريد انبثاقها من المجلس المذكور لجعل قيادة الدولة جماعية وليست فردية( ).
وكانت النتيجة أن أجمع القياديون، مدعومين من قبل الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، على اختياره رئيساً للجمهورية( ).
المبحث الثاني
أهم وزارات عبدالرحمن محمد عارف
وزارة عبد الرحمن البزاز الثانية من 18 نيسان حتى آب 1966
بعد الإعلان عن انتخاب عبدالرحمن عارف رئيساً للجمهورية بالإجماع يوم 17 نيسان 1966 سارع رئيس الوزراء عبدالرحمن البزاز إلى تقديم استقالة حكومته على وفق التقاليد الدستورية, فكلفه الرئيس الجديد بإعادة تشكيل الحكومة وترك له الحرية الكاملة لاختيار زملائه, وأنه عرض على زملائه في الوزارة المستقيلة جميعاً أن يبقوا في مناصبهم.
وقد قدم عبدالرحمن البزاز أسماء وزارته إلى رئيس الجمهورية يوم 18 نيسان فصدر المرسوم الجمهوري رقم (367) في اليوم نفسه بأسماء الوزراء البالغ عددهم (18) وزيراً من بينهم رئيس الوزراء. كما جرت في اليوم نفسه مراسيم أداء اليمين القانوني لرئيس الجمهورية( ).
ومن الملاحظ على تلك الوزارة أنها أول وزارة مدنية منذ ثورة 14 تموز 1958 لم تضم أي وزير عسكري سوى وزير الدفاع, كما أنها خالية من ذوي الاتجاه الحزبي وغالبية أعضائها من القوميين القدامى.
منهاج وزارة عبدالرحمن البزاز الثانية
قوبلت وزارة عبدالرحمن البزاز بالترحيب من قبل الضباط القوميين في حين رأت التنظيمات القومية أن في استمرار عبدالرحمن البزاز في الحكم يمثل عقبة في طريقها للسعي من أجل تشكيل مجلس لقيادة الثورة يضم في صفوفه ممثلين لكل الاتجاهات والتكتلات القومية التقديمية( ).
أعلن عبدالرحمن البزاز في مؤتمر صحفي يوم 23 نيسان أن منهاج وزارته الجديدة هو منهاج وزارته السابقة الذي أذيع يوم السادس من تشرين الثاني 1965( ).
تدهور الوضع الداخلي
أعلن الرئيس عبدالرحمن عارف يوم 10 أيار 1966 أنه استشار مختلف الجماعات السياسية, وفي النية عقد مؤتمر يمثل فيه أكبر عدد ممكن من الهيئات السياسية والشخصيات وبعد اجتماعات عدة عقدت بين الجماعات القومية جرى خلالها بحث الموقف السياسي عموماً ودراسة إمكانية التقاء تلك الجماعات حول نقطة محددة تكون الأساس للبحث عند التقائها تلك الجماعات حول نقطة محددة تكون الأساس للبحث عند التقائها برئيس الجمهورية إلاّ أن ذلك لم يتم بعد أن ظهرت ثلاثة مواقف مختلفة, بعدها وجهت الدعوة إلى عدد من الشخصيات السياسية السابقة ولم توجه إلى ممثلي التنظيمات القومية وكان مصير تلك الدعوة كمصير سابقتها( ).
قدم عدد من رجال الدين ورؤساء العشائر إلى رئيس الجمهورية مذكرتين خطيرتين يوم 28 مايس 1966 طالبوا فيها الحكومة بتحسين الوضع وتهجموا على المفاهيم التي جاءت بها حكومة عبدالرحمن البزاز وكان البزاز مدركاً أن أهم عامل في تدهور الوضع الداخلي هي القضية الكردية( ).
القضية الكردية
أولى الرئيس عبدالرحمن عارف بتصريح إلى مجلة روزاليوسف القاهرية جاء فيها أن: (الحكومة بذلت جهودها الايجابية البناءة, وفي اجتماع سبق أن تم في مدينة رانية يوم 2 تموز 1964 حضره الملا مصطفى البارزاني عرضت عليه الحكومة مشروعاً يوضح الحقوق القومية الكردية ولخص في ست نقاط وقد أيد الملا مصطفى ذلك المشروع ووقع بإمضائه على نسخة منه لكنه لم يلتزم ومن معه بالاتفاق وعادوا إلى عملية القنص والتسليب وتهديد الآمنين)( ).
وقد حدد الرئيس عبدالرحمن محمد عارف سبب ذلك إلى أسباب شخصية بحقه, وليست مسائل عامة منها:
1. عشائرياً وما يتبع منه من حب للمشيخة والسيطرة دون رادع وهذا ما يسلكه البارزاني( ).
2. طيش الشباب الذي تغذي فيه النزاعات الانفصالية التي يتقبلها دون وعي أو نضج لاستغلالهم للحصول على مكاسب فردية.
يتضح مما تقدم أن حل القضية الكردية أو أي محاولة لحلها كمن ينفخ في جرب مخروم( ).
فقد أصدرت الحكومة عفواً عن القادة الكرد المعتقلين في مدينة كربلاء والتقاهم الرئيس عبدالرحمن محمد عارف في بغداد. كما أصدر عبدالرحمن البزاز بياناً حول سياسة حكومته في شمالي العراق وأصدر قانون العفو العام عن القائمين بحوادث شمالي العراق تكون من (6) مواد ومقدمة وأسباب موجبه يوم 29 حزيران 1966, ونشر في الجريدة الرسمية يوم 12 تموز 1966( ).
ولم يقتصر الاهتمام بالقضية الكردية على المستوى الرسمي فقد أيدت القوى السياسية العراقية ما أقدمت عليه الحكومة من عمل يعزز الوحدة الوطنية ودعت القيادات الكردية إلى استثمار ذلك القانون والعودة إلى الصف الوطني العراقي, كما قوبل القانون بالتأييد والارتياح داخلياً وعربياً وعالمياً.
ومن أجل اثبات حسن نية الحكومة وتنفيذاً لما أصدرته يوم 29 حزيران قام وزير الدفاع اللواء الركن شاكر محمود شكري بزيارة إلى مدينة أربيل يوم 11 تموز وأعلن أن الحكومة مخلصة في تطبيق سياستها الواردة في بيان 29 حزيران وشكلت لجان لتطبيق تلك السياسة, وخصصت مبلغ خمسة ملايين دولار كخطوة أولى لتعمير المنطقة فتلقى رئيس الوزراء دعوة من مصطفى البارزاني لزيارة المنطقة الشمالية والاطلاع على حاجاتها( ).
محاولة عارف عبدالرزاق الانقلابية الثانية 30 حزيران 1966
لم يرض قسم من العسكريين على إعادة تكليف عبدالرحمن البزاز تأليف الوزارة بعد تولي عبدالرحمن محمد عارف رئاسة الجمهورية وقد تعاظم ذلك الرأي من قبل العسكريين وأصبح في حزيران خطراً يهدد بوقوع انقلاب في أي وقت.
اتصل العسكريون في العراق بـ عارف عبدالرزاق ورفاقه الموجودين في القاهرة لتسهيل مهمة عودتهم إلى العراق بطريقة سرية للمشاركة في الانقلاب الذي يخططون له( ).
وصل عارف عبدالرزاق إلى بغداد سراً في يوم 4 حزيران وبقي يتنقل بين الأماكن لجمع المعلومات ووضع خطة الانقلاب, وكان واسطة الاتصال به العقيد عرفان عبدالقادر. وبعد اكتمال الخطة وكتابة البيان الأول غادر عارف عبدالرزاق بغداد إلى مدينة الموصل يوم 29 حزيران( ).
بدأ تنفيذ الخطة في الساعة الثانية والنصف من ظهر يوم الخميس الثلاثين من حزيران, فأقلعت طائرتان من قاعدة الموصل, اتجهت الأولى إلى بغداد فحلقت في سمائها الساعة الثالثة بعد الظهر وقصفت دار الاذاعة فانقطع البث الاذاعي ثم قصفت مقر الحرس الجمهوري وكان ذلك ايذاناً لبدء الانقلاب( ).
أمّا الطائرة الثانية فقد توجهت إلى قاعدة الحبانية وأخذت تحوم حول القاعدة لإبلاغ المشاركين بالانقلاب, وبعدها توجهت إلى القاعدة الجوية في كركوك ونزلت هناك.
تحركت القوة البرية في بغداد واستطاعت السيطرة على معسكر التاجي ومرسلات الاذاعة في أبي غريب, وفي الوقت الذي كان راديو بغداد يذيع نشرته الاخبارية في الساعة الرابعة قطع النشرة ثم أذاع البيان رقم (1) القاضي بغلق مطاري الموصل والحبانية ثم أذاع البيان رقم (2) الذي بموجبه منع التجوال في كافة أنحاء العراق وقد صدر البيانان عن المجلس الوطني لقيادة الثورة واستمرت الاذاعة في إذاعة نداءاتها للقوات المسلحة ولقوات الحرس الجمهوري والشعب العراقي.
عادت إذاعة بغداد إلى البث وأعلنت أن الرئيس عبدالرحمن محمد عارف سيذيع بياناً مهماً في تمام الساعة الثامنة مساءاً, وقد جاء في ذلك البيان أنه تم إلقاء القبض على عارف عبدالرزاق وجماعته في مدينة الموصل, وبذلك قُبرت تلك المحاولة في يومها وأُحيل القائمون بها إلى الهيئة التحقيقية, وقررت الهيئة إدانتهم وفق أحكام المادة (24) بدلالة المادة (36) من الباب الثاني عشر المعدل من قانون العقوبات البغدادي( ).
العلاقات العراقية الخارجية
شهدت العلاقات العراقية الخارجية تطوراً كبيراً في زمن وزارتي عبدالرحمن البزاز الأولى والثانية ولاسيما العلاقة مع تركيا. فقد زار وزير الدولة للشؤون الخارجية عدنان الباجه جي تركيا في شباط 1966 ورد على تلك الزيارة وزير خارجية تركيا إحسان صبري بزيارة بغداد خلال المدة من 23- 26 مايس 1966 وصدر بيان مشترك عقب الزيارة, أكد على اتفاق وجهة نظر المسؤولين في كلا البلدين إلى حد بعيد لاسيما القضايا التي تهمهما بصورة مشتركة, ووجهت الدعوة إلى رئيس وزراء العراق من قبل رئيس وزراء تركيا سليمان ديميربل لزيارة تركيا( ).
غادر عبدالرحمن البزاز بغداد على رأس وفد كبير في زيارة إلى تركيا يوم 3 تموز 1966, وتم خلال الزيارة التوقيع على اتفاق للتعاون في مجالات السياحة بين العراق وتركيا كما صدر بيان مشترك رحبت به الصحف العراقية والتركية وقد احتوى إطاره على صورة واضحة معبرة عن علاقات الأخوة والصداقة والدين الإسلامي والمصالح المشتركة بين العراق وتركيا( ).
وفي العاشر من حزيران زار وزير الخارجية عدنان الباجه جي القاهرة لحضور اجتماع لجنة تصفية الاستعمار والتقى نظيره المصري محمود رياض, كما اجتمع يوم 12 حزيران مع الرئيس جمال عبدالناصر ومع رئيس الوزراء زكريا محي الدين وبعد انتهاء الزيارة صدر بيان مشترك أكد على تطبيق وجهتي نظر الطرفين على جميع القضايا التي طرحت ونوقشت بين الجانبين واتفق الجانبان على أهمية الاستمرار في تبادل الزيارات والوفود بين البلدين الشقيقين( ).
كما قام عبدالرحمن البزاز بزيارة إلى الاتحاد السوفيتي للمدة من 27 تموز لغاية الثالث من آب 1966 لتطوير العلاقات مع الاتحاد السوفيتي وقد التقى البزاز المسؤولين هناك وأجرى مباحثات على مختلف الصعد وفي ختام الزيارة صدر بيان مشترك أعلن فيه البلدان عن عزمهما على مواصلة العمل لتقوية روابطهما وتوسيع التبادل التجاري بينهما( ).
وزارة ناجي طالب من 9 آب حتى 3 مايس 1967
زادت الانتقادات الموجهة إلى وزارة عبدالرحمن البزاز الثانية من قبل الفئات السياسية واتهموها بالخيانة والرجعية والعمالة مع الشركات الأجنبية, وبعد عودته من موسكو ترددت الأخبار أن الرئيس عبدالرحمن محمد عارف قد استدعا العميد ناجي طالب ليرشحه لرئاسة الوزراء فبادر البزاز يوم 6 آب وقدم استقالة حكومته( ).
حاول ناجي طالب تأليف وزارة ائتلافية لكنه فشل في ذلك ولهذا فقد شكلها من القوميين المستقلين وصدر المرسوم الجمهوري المرقم (811) في يوم 9 آب 1966 الذي قضى بتعيين (18) وزيراً من بينهم رئيس الوزراء.
أعلنت الوزارة الجديدة منهاجها يوم 21 آب وأذاعه رئيس الوزراء وقد وصف أنه: (منهاج واضح يحدد الخط الوحدوي التقدمي للوزارة) كما تطرق المنهاج إلى تعزيز وتطوير الجيش العراقي كونه جيش الأمة العربية وأن الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة هي الخطوة الأولى في الطريق الوحدوي لأنها قاعدة النضال العربي وطليعته. وأن وجود (إسرائيل) تجسيد للمؤامرات الكبرى ضد أمن الوطن العربي وسلامته( ).
أمّا علاقات العراق الخارجية فتقوم على قاعدة راسخة في الإيمان بالسلم والرغبة في التعاون مع الجميع على أساس من الاحترام المتبادل بما يضمن العدل وتقدم الشعوب من دون تفريط في الحقوق أو تجاوز على الغير, ويتمسك العراق بالمبادئ التي تضمنها ميثاق الأمم المتحدة( ).
ثم تطرق المنهاج إلى الوضع الداخلي ووعد رئيس الوزراء بمعالجة الخدمات ورفع المستوى البلاد المعاشي والنهوض بمستوى التعليم وتحسين مستوى الفلاح العراقي عن طريق استخدام الوسائل الحديثة في الزراعة. كما أكد المنهاج على ما جاء به الدستور العراقي المؤقت( ).
الفساد الإداري واختلاس أموال الدولة
بسبب ازدياد اختلاس أموال الدولة في السنوات الأخيرة أصدرت الوزارة الجديدة في 13 أيلول 1966 قانون رقم (81) لسنة 1966 قانون تعديل العقوبات البغدادي. وقد شمل ذلك القانون تعديل المواد (98) و(103), وأُضيفت المادتان (108) و(279). وأكدت المواد على معاقبة كل موظف عمومي وكل شخص مكلف بخدمة عامة اختلس أو أخفى شيئاً من النقود أو الأوراق التجارية وحسب طبيعة الجرم الذي أقدم عليه ومبلغه( ).
اجتماع القصر الجمهوري يوم 21 تشرين الأول 1966
في ظل ذلك الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي المتردي دعا رئيس الجمهورية إلى اجتماع يعقد في القصر الجمهوري يوم 21 تشرين الأول يضم عدداً من نخب العراق السياسيين, وقوميين وعسكريين ووزراء ورؤساء وزارات سابقين تجاوز عددهم ثلاثين شخصاً( ).
افتتح الاجتماع الساعة العاشرة من يوم الجمعة بكلمة ألقاها رئيس الجمهورية أكدت على رص الصفوف والمواطنة والاخلاص في الواجب ووضع الحلول للوضع الراهن الذي يمثل المشكلة الكردية والضائقة المالية والتفكك السياسي وقد عقب عبدالعزيز العقيلي وزير الدفاع السابق على النقاط الثلاث وعد المشكلة الكردية هي من أولويات المواضيع الثلاثة وحمل الملا مصطفى البارزاني مسؤولية ذلك, كما حمل الحكومات السابقة المسؤولية الكاملة لعدم تمكنها من إدارة الأزمة( ).
اجتماع القيادة السياسية العراقية المصرية في بغداد على مستوى رئيس الحكومتين يوم 26 تشرين الثاني 1966
أعلنت وزارة ناجي طالب في منهاجها أنها ستعمل على دعم القيادة السياسية الموحدة مع الجمهورية العربية المتحدة, وأن اجتماع على مستوى رئيسي الحكومتين سيعقد في بغداد.
غادر الأمين العام للقيادة السياسية الموحدة- الدكتور عبدالرزاق محي الدين- بغداد إلى القاهرة يوم 6 أيلول لإعداد الترتيبات لعقد اجتماع القيادة السياسية.
كما وصل السفير المصري الجديد- لطفي متولي- بغداد وقدم أوراق اعتماده إلى الرئيس عبدالرحمن محمد عارف يوم 5 تشرين الثاني( ).
اجتمعت القيادة السياسية الموحدة في بغداد يوم السبت 26 تشرين الثاني 1966 ورأس الجانب المصري فيها زكريا محي الدين- نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة في حين رأس الجانب العراقي رئيس الوزراء ناجي طلب, وقد صدر عن الاجتماع يوم 28 تشرين الثاني/ نوفمبر بيان مشترك أكد على موضوع القضية الفلسطينية والعدوان الاسرائيلي على الأراضي العربية ودور الرجعية العربية المتواطئ مع الاستعمار, كما تطرق البيان إلى ما يعانيه الخليج العربي من محاولات لطمس عروبته وتناول البيان أهمية الاتحاد الاشتراكي العربي وإيمان القطرين بدوره الطليعي وتنظيمه السياسي والسير قدماً نحو الوحدة, وتقرر أن يعقد الاجتماع القادم في القاهرة( ).
تعديل الدستور المؤقت
نظراً لقصر المدة التي تولت فيها وزارة ناجي طالب مسؤولية الحكم فقد تعذر إصدار قانون انتخاب مجلس الأمة في الوقت المحدد في الدستور المؤقت فاقتضى تعديل المادة (تستبدل عبارة [ستة أشهر] الواردة في المادة [62] من الدستور المؤقت بعبارة [ثلاثة أشهر]).
أعلن الرئيس عبدالرحمن محمد عارف يوم 26 كانون الأول 1966 أنه: (بات في حكم المقرر تعديل بعض نصوص الدستور المؤقت) فأصدرت وزارة ناجي طالب في 7 شباط 1967 تعديل أمر للدستور المؤقت( ).
قُوبل صدور قانون الانتخابات بردود فعل متباينة بين صفوف الشعب العراقي عكست مواقف الأحزاب والشخصيات الوطنية في الحياة البرلمانية وإقامة الحكم الدستوري المطلوب.
في تلك الأثناء تصاعد الخلاف بين الحكومة السورية وشركة نفط العراق فقررت الشركة بدءاً من 9 كانون الأول 1966 التوقف عن ضخ النفط عبر الأنابيب إلى البحر المتوسط مما أدى إلى فقدان العراق لعائداته النفطية مما زاد في تدهور وضعه الاقتصادي( ).
الخاتمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق والأنام، نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.
أمّا بَعد...
فبعد أن انتهت رحلتي مع الرئيس الراحل عبدالرحمن محمد عارف. وبعد أن انقضت أجمل ساعات دراستي معه بالبحث والتقصي والتأمل فيما عمل وبذله من جهد في قيادة جمهورية العراق، وبعد هذا كله لابُدّ من الوصول إلى نهاية الرحلة وخاتمة لهذا البحث المتواضع وما تمخضت عنه هذهِ الدراسة، وما خلصت إليه وكان الآتي:
عبد الرحمن محمد عارف الجميلي, الرئيس الثالث لجمهورية العراق، والحاكم الجمهوري الثالث منذ تأسيس الجمهورية. ولد في عام 1916م، شغل منصب الرئيس للفترة من 16 نيسان 1966 إلى 17 تموز 1968, كان أحد الضباط الذين شاركوا في ثورة تموز 1958.
انتسب إلى الكلية العسكرية سنة 1936 وتخرج فيها برتبة ملازم ثاني، وتدرج في المناصب العسكرية حتى بلغ رتبة لواء في 1964 وشغل عدة مناصب عسكرية هامة، وفي عام 1962 أُحيل على التقاعد، وأعيد إلى الخدمة ثانية في 8 شباط/فبراير 1963، ثم أسندت إليه رئاسة اركان الجيش العراقي.
وبعد مقتل شقيقه عبدالسلام محمد عارف في حادث مروحية غامض، أجمع القياديون في الوزارة على اختياره رئيساً للجمهورية أمام المرشح المنافس رئيس الوزراء عبدالرحمن البزاز ليكون ثالث رئيس للجمهورية في العراق وثالث حاكم بعد إعلان الجمهورية. كانت فترة حكمه من أهدأ الفترات في تاريخ العراق.

لم يتمتع الرئيس عبدالرحمن محمد عارف بخبرة واسعة في السياسة الدولية ولم تكن خلال فترة حكمه أي سياسة مميزة أو واضحة إلا بعض الإنجازات المحدودة على صعيد إكمال القليل مما بدأ به الرئيس السابق عبدالسلام محمد عارف في مجال العمران وكذلك في مجال التسليح.
أكثر ما عرف عنه تسامحه ومحاولاته في فسح المجال لمعارضيه بنوع من الديمقراطية فأسس ما يعرف بالمجلس الرئاسي الاستشاري الذي ضم عدداً من رؤساء الوزارات السابقين كان يعد بعضهم من الخصوم. كما أسهم خلال حرب حزيران/يوليو 1967 بقطعات كبيرة كانت رابضة في الأردن على خط المواجهة واستقبل عدداً من القطعات العسكرية والأسراب الجوية المصرية والفلسطينية للقيام بعمليات عسكرية انطلاقاً من الأراضي العراقية من ضمنها عملية إيلات. ومن بين الشخصيات المصرية المعروفة التي عملت في العراق الرئيس المصري السابق حسني مبارك الذي كان من بين آمري أسراب الطائرات الموجودين في قاعدة الحبانية في الفلوجة.
شارك الرئيس عبد الرحمن عارف بقوات عسكرية لدعم الجبهة على الرغم من القوات الكبيرة الرابضة في المفرق في الأردن إلا أن الدعم الاميركي والبريطاني والفرنسي المعلن بالتدخل في حالة رد الدول العربية على العدوان ما لم تستجب لقرار مجلس الامن الدولي رقم (242) أفشل خطط الهجوم المضاد العربي وجعل إسرائيل بواقع المنتصر. كما تعرض أثناء فترة حكمه لمحاولة انقلابية فاشلة وهي حركة عارف عبدالرزاق الثانية التي أحبطت في مطار الموصل بواسطة مجموعة من الضباط العسكريين العراقيين هناك.
انتهى حكمه على إثر حركة تموز 1968 التي اشترك فيها عدد من الضباط والسياسيين وبقيادة حزب البعث حيث داهموا الرئيس في القصر الجمهوري وأجبروه على التنحي عن الحكم مقابل ضمان سلامته فوافق وكان من مطالبه ضمان سلامة ابنه- قيس- الذي كان ضابطاً في الجيش، ثم تم إبعاده إلى إسطنبول وبقى منفياً هناك حتى عاد لبغداد في أوائل الثمانينات بعد أن أذن له الرئيس السابق صدام حسين بالعودة.
توفي الرئيس عبدالرحمن في 24 آب/أغسطس 2007 في العاصمة الأردنية عمان التي سكنها بعد احتلال بغداد في عام 2003 من قبل القوات الأمريكية وتم دفنه في مقبرة شهداء الجيش العراقي في مدينة المفرق حيث أجريت له مراسم دفن لائقة بمنصبه كرئيس سابق للجمهورية العراقية.
هذهِ أهم النتائج التي توصلت اليها في مضمار هذا البحث المتواضع، الذي بذلت فيه جهدي اليسير لأضع نفسي في أولى خطوات البحث والعلم والتعلم.
أدعو من الله عز وجل أن يثيبني عليه خيراً، ويجعل أوله نجاحاً وآخره فلاحاً، والله الكريم أسأل أن يجعلَ هذا العمل خالصاً لوجههِ الكريم، وسبباً للفوز برضاه، وأن ينفعني بهِ يوم الحساب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد  وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.













قائمة المصادر والمراجع
1. أديث, واني, أين, ييزوز: العراق- دراسة في علاقاته الخارجية وتطوراته الداخلية (1915- 1975), ترجمة: عبدالمجيد حسيب القيسي, ج1 و ج2, 2004.
2. جعفر عباس حميدي وآخرون: تاريخ الوزرات العراقية في العهد الجمهوري, بغداد, عشرة أجزاء, 2002.
3. حنا بطاطو: الشيوعيون والبعثيين والضباط الأحرار, الكتاب الثالث, ترجمة: عفيف الرزاز, بيروت, مؤسسة الأبحاث العربية, 1992.
4. خالد محي الدين: عضو مجلس قيادة الثورة المصري, مقابلة خاصة مع قناة الجزيرة.
5. سبيل باتريك الأسد: الصراع على الشرق الأوسط, لندن, دار السلفي, 1988.
6. سنان صادق حسين الزيدي: سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه العراق في عهد الرئيس عبدالسلام محمد عارف (شباط 1963- نيسان 1966), بغداد, 2009.
7. سيّار الجميل: الرهانات المستحيلة- العراق وعبدالناصر في التاريخ المعاصر, ب م, بغداد, 2012.
8. سيّار الجميل: زعماء ومثقفون, ذاكرة مؤرخ, بغداد, 1980.
9. عبدالمجيد كامل عبداللطيف: المنتظم في تاريخ العراق المعاصر (1914-1968), سلسلة تاريخية, الكتاب (3), بغداد, 2010.
10. قيس عبدالرحمن محمد عارف: حياة وأسرار الرئيس عبدالرحمن محمد عارف, مقابلة خاصة, منشور جريدة القدس في 4/9/2011.
11. محمود أحمد حمدان: عبدالرحمن محمد عارف, رئيساً صورياً للعراق, مجلة ح. ح, ع188, تموز, س4, 2001.
12. مذكرات الرئيسين عبدالسلام محمد عارف وعبدالرحمن محمد عارف, بغداد, 1967.
13. منصور حاجي إسماعيل: عبدالرحمن يرحل بهدوء, ع12302 في 30/8/2007.
14. يوسف خوري: المشاريع الوحدوية العربية (1913- 1989), مركز دراسات الوحدة العربية, 1990.
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS
حول الخبر إلى وورد

ملخصات تغذية الموقع
جميع حقوق النشر محفوظة 2009 - (صنعاء نيوز)