shopify site analytics
تكريم للأديبة سناء الشعلان لفوزها بجائزة كتارا للرواية - البشرية بين مأسي الحروب وأمنيات السلام - مناقشة الإستعدات للإحتفاء بالمولد النبوي بمديريات العدين بمحافظة إب - الجوف مدير عام الشؤون الاجتماعية والعمل يزور جمعية cssw ويطلع علي اهم المشاريع التي ن - جابر والحذاء - تطبق نظام آلي جديد لانجازمعاملات المتقاعدين بشكل آمن وسريع - نظام التعليم:الهوية التربوية وأزمة بناء أيديولوجيا مستقلة - ميركل تعلق على فكرة إنشاء جيش أوروبي وتتقدم بمبادرة - التحالف الدولي يحدد عدد الدواعش في هجين السورية - الأسد يستقبل مخطوفي السويداء المحررين -
ابحث عن:



السبت, 20-أكتوبر-2018
صنعاء نيوز -  الدكتور عادل عامر

دكتور في الحقوق وخبير في القانون العام ومدير مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية صنعاء نيوز/ الدكتور عادل عامر -
الدكتور عادل عامر

دكتور في الحقوق وخبير في القانون العام ومدير مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية ومستشار وعضو مجلس الإدارة بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا ومستشار الهيئة العليا للشؤون القانونية والاقتصادية بالاتحاد الدولي لشباب الأزهر والصوفية ومحكم دولي معتمد وخبير في جرائم امن المعلومات.

-محمول: -01224121902 , 01002884967, 01118984318

adel66amer2017@hotmail.com

بحث مقدم الي المؤتمر العاشر للتسامح والسلام

العيش المشترك

(التنوع والتكامل)

24 نوفمبر 2018 بالقاهرة


الملخص: تناولت هذه الدراسة موضوعا حيويا جديدا، لم يطرق من سابق – في مجتمع الدراسة – سواء بالبحث او المعالجة.

وعلية ري الباحث اهمية تناول هذا الموضوع بوصفة إحدى الازمات المحلية والاقليمية والدولية التي يواجها المجتمع الدولي والمحلي والإقليمي. فإن قضية التعايش من أهم القضايا التي تشغل العلماء والمفكرين المسلمين والغربيين، "ولقد شعر بأهميتها المسلمون وغير المسلمين، فقامت مجامع وندوات وتعالت نداءات تطالب بمزيدٍ من التعايش الحسن" وقد تباينت مذاهب الناس فيها، بين رفض لها وبين قابل بها بجميع صورها، وبمذاهبها الفكرية المختلفة، فكان لزاماً على المفكرين النظر في المقاصد من هذا المصطلح

إذا تتمحور الدراسة في توضيح واظهار اهميه موضوع "العيش المشترك" في ضوء لأهمية المجتمع الدولي في تحقيق ذلك الذي ينهض على فعل جماعي يراهن من جهة أولى، على تدبير واقع ندرة الموارد المادية والرمزية ومحدوديتها، وهنا تنطرح مشكلة توزيع الموارد وعدالة هذا التوزيع. في تحقيق الامن الاجتماعي الذي يهدف الي استقرار التعايش السلمي.

كما يراهن من جهة ثانية، على تدبير وتكييف واقع التنوع والاختلاف الديني، والثقافي، والطائفي، والمذهبي، والعرقي، والاقليمي. ذلك أن سياق العيش المشترك يتراوح ما بين ظروف الرخاء والوفرة والغنى، وهنا يكون العيش المشترك متحصلا بطريقة شبه تلقائية لا تستوجب كبير جهد وتدبير، وبين ظروف الندرة والمسغبة، حيث تستشري الأزمة، ويخيم واقع عدم الاستقرار، وهنا يحتاج العيش المشترك إلى الكثير من الجهد والعنت.

أما أبعاد العيش المشترك فتتحدد أولا من الوجهة المجالية؛ ما بين إطار وطني داخلي ضمن مكونات الجماعة الوطنية، وهو البعد الذي يتحدد بنظريات العقد الاجتماعي والسياسي، وبالطبيعة المدنية للإنسان وحاجته إلى غيره.

وإطار دولي خارجي ضمن الجماعة الدولية. كما تتحدد ثانيا من الوجهة المرجعية؛ ما بين مرجعية قرآنية إسلامية تقوم على منظومة قيم؛ التعارف، والاختلاف، والمساواة، والحرية، والعدالة، والكرامة الإنسانية، والتعاون والتدافع.

اذ تم تسليط الضوء على الزامية وجود مرجعية أممية تعبر عن الإرادة الدولية للمجتمع الإنساني، مع ما قد يعتري هذه الإرادة من خضوع لمنطق موازين القوة التاريخية الفعلية، ولمنطق الازدواجية والكيل بأكثر من مكيال واحد.

ومع ذلك فلا يتعين افتراض التعارض الكلي بين المرجعية الأممية الكونية، وهي مرجعية أسهمت فيها كل الحضارات التاريخية، وكل الثقافات القائمة بنصيب.

فالحضارة الإنسانية الواحدة والمشتركة لا يمكن تصورها إلا بفضل تعدد الثقافات، وهو تعدد يقتضي التعايش والحوار بدل التنابذ والصراع. على أن يكون هذا الحوار بين جماعات ومجتمعات إنسانية من لحم ودم؛ لها مشاعر مشتركة، وبناء عاطفي وذهني إنساني مشترك. وليس حوارا بين كيانات حضارية وثقافية مغلقة.

فالعيش المشترك، انسجاما مع ما سلف، يرتكز فضلا عن البنية التعاقدية القانونية الدستورية في صلتها العضوية بالبنية المؤسسية، على منظومة متكاملة للقيم. وكما أن للعيش المشترك مستلزماته في إطار الجماعة الوطنية، فإن له كذلك، مقتضيات في إطار العلاقات الدولية.

وعلية بنيت نتائج الدراسة: أن التعددية الثقافية الليبرالية ترتكز على افتراض أن سياسات الاعتراف ومساندة التنوع الثقافي من شأنها أن "توسع مجال الحرية البشرية" و"تقوي الحقوق الإنسانية"، وتخفف من الهيراركية العرقية والعنصرية وتعمق الديمقراطية والعيش المشترك. ومع ذلك، فإن التعددية الثقافية من منظور ليبرالي تعد ظاهرة أكثر تعقيدا مما يعتقد الكثيرون، وهي ليست مبدأ واحدا أو سياسة واحدة، وإنما هي مظلة تستوعب أساليب تختلف بشكل كبير من تجربة إلى أخرى، كما أن كل واحد من هذه الأساليب يتميز بتعدد وتعقد أبعاده[12].

فمع أن التعددية الثقافية تعد، من وجهة نظر البعض، بمثابة أيديولوجيا؛ أي "نسقا من المعتقدات المترابطة والمنظمة"، إلا أنها تظل قابلة، مع ذلك، للتشكيك والدحض. فهي تركز اهتمامها تحديدا على كيفية التعامل مع التنوع الثقافي داخل الدولة، وطبيعة علاقة الدولة بمكوناتها الثقافية، وماهية المرجعية الفكرية التي ينبغي الركون إليها لضمان شرط المعاملة العادلة مع سائر مكوناتها. فهي بإيجاز من قبيل النظريات السياسية لا الأيديولوجيات.

ومن جهة أخرى فإن التعددية الثقافية تعد في عمقها تجربة حياة، وتجربة عيش في كنف مجتمع أقل انعزالية وضيقا في الأفق، وأكثر حيوية وتنوعا ولو كان أقل تجانسا تستخدم الأدبيات المعاصرة مصطلح "التعددية الثقافية" كمصطلح شامل يغطي مساحة واسعة من السياسات التي تستهدف توفير مستوى معين من الاعتراف العام، ومساندة مختلف الثقافات الفرعية الأمر الذي يستوجب بلورة أنواع مختلفة من السياسات لأنواع مختلفة من الجماعات الثقافية الفرعية.

وهكذا يتصل مفهوم التعددية الثقافية اتصالا وثيقا بمفهوم "سياسة الاختلاف"، وهو المفهوم الذي بمقتضاه يتعين "معاملة الأشخاص المختلفين بشكل مختلف نسبيا وفقا لثقافتهم المميزة[10]." وفي هذا السياق، يوظف المفهوم باعتباره مفهوما جامعا يستبطن مجموعة كبيرة من السياسات المعنية بتوفير مستوى معين من الاعتراف الرسمي والدعم للجماعات الفرعية غير المهيمنة، سواء أكانت تلك الجماعات من المهاجرين أو الأقليات القومية أو السكان الأصليين[11].

وأظهرت الدراسة:

أن الإسلام من خلال أهدافه ومبادئه وقيمة يسعي لتحقيق الأمن والاستقرار والمحافظة على النظام وتطبيق الحدود الشرعية بحيث لم يترك الإسلام أي ثغرة ينفذ من خلالها الإرهابيون والمخربون لتنفيذ أعمالهم وتحقيق مأربهم كما أن نشوء إدارة لشؤون المجتمع العالمي تمثل بعدا أصيلا من أبعاد تطور الجهود الإنسانية لتنظيم الحياة على هذا الكوكب، وتلك عملية ستظل دوما مستمرة. غير أن مفهوم "إدارة شؤون المجتمع العالمي" لا يفيد السعي لإقامة حكومة عالمية، وإنما يسعى إلى تحقيق التوازن بكيفية تغدو معها إدارة شؤون المجتمع محققة لمصالح كل الشعوب في مستقبل مستديم، مسترشد بالقيم الإنسانية الأساسية، وقادرة على تكييف التنظيم العالمي لواقع التنوع الذي يزخر به عالمنا[2].

ذلك أن مبدأ التعددية لا يتحقق إلا من خلال الإيمان بوجود العديد من طرق الحياة العقلانية التي تسمح لنا بأن نعيش حياة كريمة. كما يتحقق من خلال القدرة على الاختيار الحر لنمط الحياة الإنسانية الذي يناسبنا. علما أن التعددية والتنوع إنما يكونا في إطار الوحدة الجامعة والروابط المشتركة؛ "فالشرائع المتعددة، على سبيل المثال، لا تتأتى تعدديتها إلا في إطار الدين الواحد، والحضارات المتعددة لا تتأتى تعدديتها إلا في إطار المشترك الإنساني العام. وبذلك، فإن التعددية هي تنوع قائم على تميز وخصوصية، فهي لا يمكن أن توجد إلا بالمقارنة بالوحدة وضمن إطارها، فلا يمكن إطلاق التعددية على التشرذم والقطيعة التي لا جامع لآحادها، ولا على الأحادية التي لا أجزاء لها[9].

وخلصت الدراسة:

الي ان تنامي اهتمام الشعوب بحقوق الإنسان والمساواة، والديمقراطية، وتلبية الاحتياجات المادية الأساسية، والحماية البيئية، ونزع الطابع العسكري، إلى تبلور العديد من القوى (إلى جانب الدولة) التي تسعى إلى الإسهام في تدبير العيش المشترك من خلال إدارة شؤون المجتمع العالمي (محليا وإقليميا ودوليا).

غير أن أهم تغيير يمكن أن يقوم به الناس هو تغيير طريقتهم للنظر إلى العالم بما يعزز قيم العيش المشترك. وتفسير ذلك؛ أن العيش المشترك (وطنيا أو دوليا) لن يتحقق إلا من خلال الالتزام المشترك بمجموعة من القيم الأساسية التي من شأنها التوحيد بين الناس رغم اختلاف انتماءاتهم الثقافية والسياسية والدينية والفلسفية. وفي مقدمة هذه القيم؛ القيم الأساسية المتعلقة باحترام الحياة، والحرية، والعدالة، والإنصاف، والاحترام، وأخلاق الرعاية، والأمانة.

وبفضل هذه القيم يمكن لعيشنا المشترك أن يتأسس على أساس أخلاقي إنساني يستوعب روابط الجوار والمصلحة والهوية والانتماء والعيش الكريم. خاصة إذا علمنا أن "من شأن المعايير الأخلاقية العالمية التي نتوخاها أن تساعد على إضفاء الطابع الإنساني على الأنشطة الموضوعية للنظم البيروقراطية والأسواق، والحد من الغرائز التنافسية، وخدمة المصالح الذاتية الضيقة للأفراد والجماعات، أو بتعبير آخر، ستسعى إلى ضمان أن يكون المجتمع الدولي مشبعا بالروح المدنية[6]."

لذلك يجب أن نأخذ أنفسنا بالتسامح، وأن نعيش في سلام وحسن جوار." إزاء الشعور المتزايد بعجز الدول الوطنية على مواجهة ومعالجة الكم الكبير والمعقد من التحديات والقضايا التي تواجهها، وجدت الدول والشعوب التي ترغب وتراهن على السيطرة على مصيرها أنها لا تقوى على ذلك إلا بالعمل معا جنبا إلى جنب مع الآخرين، وأنه يتعين عليها أن تؤمّن مستقبلها من خلال الالتزام بالمسؤولية المشتركة، والجهد المشترك[1].

" ذلك أن الذي استجد هو أن الاعتماد المتبادل بين الأمم قد ازداد اتساعا وعمقا، وكذلك دور الشعوب حيث جرى تحويل بؤرة الاهتمام من الدول إلى عموم الناس من خلال مؤسسات المجتمع المدني، ومن هنا، فإن نمو المجتمع المدني الدولي يمثل مظهرا من مظاهر هذا التغيير. لان الإجراءات والترتيبات التي يتبعها العالم في تدبير وتصريف أموره يتعين أن ترتكز على منظومة من القيم المشتركة، وأن البناء المؤسسي والقانوني مهما كانت عقلانية الإجرائية فلا يستمد قوته وفاعليته وجدواه إلا من خلال استناده على قيم مشتركة وعلى إحساس عال بالمسؤولية المشتركة. أنه وجدت على ساحة العمل التطوعي العربي ثلاثة أنواع من المنظمات تتباين في أهدافها وفي العلاقة بينهما وبين الدولة:

المجتمع المدني الديني والإرثي وهو أقدم أشكال المنظمات غير الحكومية في المنطقة العربية ويعتبر من الناحية العددية ممثلا لأكبر عدد من الأعضاء الذين يقدرون بالآلاف وفي بعض البلدان بالملايين، ويشمل هذا النمط الجمعيات الدينية والجماعات الصوفية والجمعيات الخيرية وجمعيات البر والإحسان. وقد زادت النمط الديني للمجتمع المدني العربي في العقود الأخيرة بسبب تصاعد قوة التيارات الدينية والطائفية في المجتمعات العربية."

المدخل: -

إن روح التعاون والمساعدة، وجدت منذ وجود البشرية، فالإنسان اجتماعي بالفطرة، والعمل الاجتماعي كان يتم عبر التاريخ في أشكال مختلفة، فردية أو جماعية، إلا أن دور المنظمات غير الحكومية أخذ يتبلور مع بروز دور الحكومات وتحديد مهامها، أي في البيئة الأوروبية الصناعية خلال القرن التاسع عشر، كما أن اندلاع الحروب وما ولدته من ويلات ومآس، كل ذلك شجع على تأسيس الجمعيات الطوعية وتأدية دور لا تمارسه الحكومات، كتنفيذ أعمال إنسانية بخاصةٍ في فترات الحروب، تهدف بشكل مباشر إلى تخفيف المآسي عن بني البشر.

لقد حكم هذا النوع من العمل في سياقه الزمني ثقافتان مختلفتان، الأولى تعتمد على الإغاثة والاحسان والثانية على التضامن والتعاون، وفي ظل التطورات السياسية المتلاحقة في العالم، أخذت روحية التضامن والإنماء تحل مكان العمل الاحساني.

إن تعاظم دور المنظمات غير الحكومية وازدياد نشاطها وحضورها على الصعيد العالمي جعلها تنال اعتراف منظمة الامم المتحدة كشريك أساس وفعّال في تقرير مصير البشرية ومستقبلها وفي الدفاع عن حقوق الإنسان وحمايته، حيث باتت هذه المنظمات تعتبر السلطة الثالثة في العالم بعد الحكومات والأحزاب السياسية.

ذلك أن المؤسسات العامة تجمع المنتمين إلى شتى الجماعات الفرعية، فتكون هذه المؤسسات ذات امتدادات متشعبة شاملة المجالين الشخصي والسياسي لأعضائها؛ فعلى الصعيد الشخصي، تعنى هذه المؤسسات بتلاقي الناس من مختلف الانتماءات، فيوطدون، بذلك، علاقاتهم المتبادلة التي ترتبط على نحو وثيق الصلة بحياة هذه الجماعات في بيئاتها وأماكن تواجدها.

أما على الصعيد السياسي، فتعنى تلك المؤسسات بتعليم الناس كيفية التعامل والتعايش والتفاوض مع بعضهم البعض، رغم اختلافاتهم. وهكذا، سيُفضي بالاندماج المؤسساتي، بفعل عامل الزمن، إلى بلورة مِزاج عام يوحد الجماعات الثقافية التي تعيش على رقعة جغرافية معينة، بحيث يتحول إلى ثقافة مشتركة تتعايش بموجبها الجماعات الثقافية. فيتكون لدى أعضائها حِسُّ الانتماء إلى وطن مشترك ومؤسسات سياسية مشتركة.

ومع ازدياد نطاق هذه الهوية المشتركة ورسوخها، ستختفي بمرور الزمن وضعية الأكثرية الأقلية، لنكون أمام واقع قائم على أساس الهوية المشتركة التي تعبر عن جميع مكوناتها دون فقدان الأخيرة لخصوصياتها الثقافية[14].

من هنا يأتي أهمية الأمن الإنساني الذي يشتمل على نزعة جديدة، تبعد عن النزعة التقليدية المتعلقة بتحليل الأمن الانساني العالمي، والتي تعطي الدولة الجهة الوحيدة والمرجعية المطلقة في المحافظة على الأمن الإنساني، بالمقابل فإن البشرية وتجمعاتهم المعقدة، وعلاقاتهم الانسانية لهم الاولوية ضمن الدولة أو فوقها، فالأمن الانساني هو القدرة على حماية الناس، كما أنه القدرة على تحصين الدول وفي بعض معادلات الأمن الانساني خاصة تلك التي تقوم على أن الأمن الانساني هو فوق أمن الدولة.

يمثل العدل صمام أمان للتعددية الثقافية؛ وتفسير ذلك أن من شأن مبادئ العدالة وإجماع الأفراد عليها في المجتمع الجيد التنظيم أن يؤديا إلى استمرارية تماسك هذا المجتمع واستقراره وعيشه المشترك، بالرغم من تنوع معتقدات الأفراد وانتماءاتهم.

مشكلة الدراسة: -

أتاحت التحولات الديمقراطية في موجاتها السابقة أو الحالية في أكثر من بلاد، رغم تعثرها أحيانا، فرصة ثمينة للنخب السياسية والفكرية لاكتشاف وإعادة اكتشاف المجتمع المدني. في تحقيق الامن الإنساني والتعايش السلمي في ضوء عقلانية المطالب المرفوعة والممارسات المستحدثة مع قيم الديمقراطية، ويُعتبر النوع الاجتماعي، بالفعل، عاملاً مميزاً في المساهمة في رصد جذور المواطنة وتحديدها في أية "دولة-وطن" أو "دولة أمة" (Nation-state) لأنه يعالج موضوع المواطنة انطلاقاً من بعده الإنساني ويسلِّط الأضواء من ثم على التفاوت الحاصل تاريخياً بين الثقافات والشرائع والعقائد المتعددة وفي الإطار القانوني الحديث الذي شكلته الدولة الوطنية في القرن العشرين.

وإذا كان الكلام عن التعايش المشترك يتسم بالعمومية لأنه يتجاهل العقبات الحقيقية التي تعترض تمتع جميع المواطنين في الدولة بحقوقهم المدنية والسياسية كاملة ويتخذ منحى حقوقياً قد يكون أجوف أو فارغاً من كل مضمون فعلي، فإن التركيز على النوع الاجتماعي يؤكد شمولية مفهوم التعايش السلمي وبالتالي ضرورة تذليل العقبات وإزالة الفروق القائمة بين مختلف فئات المواطنين إزاء ممارسة حقوقهم في المجتمع الوطني.

فتتحول القوانين المتطورة إلى مجرد إعلان بل إعلان نوايا، في حين يبقى الواقع محكوماً بتشريعات غير متطورة وغير منسجمة مع مبدأ المساواة في الإنسانية بين الشرائع السماوية كافة في ظل الوطنية التي تحبو الجميع. وحتى إن وجدت القوانين فما زالت هناك فجوة كبيرة بين النص والتطبيق الفعلي لإزالة التمييز وتحقيق المساواة.

ومن ثم فان اهمية الدراسة الراهنة تكمن كما هو جلي من الدلالة الظاهرة لعنوانها، إلى محاولة الوقوف على أهم المحددات المفاهيمية والمرجعية التي تحكم عملية العيش المشترك، بحسبانها عملية اجتماعية وحضارية لا يتصور تحققها إلا في كنف مجتمع مدني قائم على التعاقد والوفاق بين مختلف مكوناته، ومحاط بمنظومة من القيم الاجتماعية في التسامح، والغيرية، والتعارف، والاعتراف، والاحترام المتبادل. في إطار من الإيمان الراسخ بشرعية الاختلاف.

وهي المنظومة التي تتعزز كلما وجدت لها سندا مرجعيا في منظومتها العقدية الدينية والتراثية وخبراتها التاريخية والحضارية، وكلما اغتنت بانفتاحها على الكسب الكوني لمختلف الديانات التوحيدية، ومختلف الثقافات، والفلسفات ذات المنزع الإنساني.

من التمييز بين مستوى التعايش؛ باعتباره فعلا اجتماعيا محكوما بمنطق الحاجة والضرورة، بحيث لا يعدو كونه نوعا من التساكن القائم على التحمل والتفضل، والصبر على أذى "الآخر"، واختلافه، وبين مستوى العيش المشترك، المبني على فعل اجتماعي قصدي وواع، وعلى تعاقد سياسي واجتماعي صريح، وعلى قبول وتمثل واعتراف بوجود الآخر وإقرار بكينوته، وحقه في التميز والاستقلالية والحرية والاختلاف.

كما تنطلق هذه الدراسة الي الحديث عن المحددات المفاهيمية والمرجعية لفعل التعايش والعيش المشترك، بصيغة الجمع، يفضي بنا إلى توسيع دائرة المقاربة لتشمل المنظور الديني والفلسفي، والتاريخي، والسوسيولوجي، والسيكولوجي. وإن الاخـتلاف والصـراع نتاج طـبيعي لحـركة البشر وتفاعـلهم اليومي وعليه فان الصـراع لا يـمكن معالجـته بـل يمكـن إدارته، وفي هذا الإطار، تستهدف هذه الدراسة، بشكل أساسي، مقاربة هذا الموضوع انطلاقا من مقترب ومفهوم "التعددية الثقافية" والشرائع المتعددة الذي لا يمكن تصور "العيش المشترك" في ظل المجتمعات الحديثة إلا في كنفهما.

ومن ثم فان الدراسة الراهنة تحاول ان تبين عمق التعايش السلمي والتنوع الفكري والثقافي في ضوء الشرائع السماوية الي تهدف جميعها الي تحقيق الأمن الإنساني الشامل يهدفان إلى حماية الإنسان من المخاطر وتحقيق أعلى درجات الرفاهية في العيش الآمن الكريم.

وتلك مهمة للمجتمع بأسره، ولكن المجتمع المدني الدولي والمحلي يعتبر أحد الفاعلين الأساسيين في تحقيق هذه المهمة.

ولقد حاولنا في البحث أن نناقش بعض القضايا المرتبطة بدور المجتمع المدني في تحقيق الأمن الإنساني أو التنوع الثقافي والشرائع السماوية والعقائد المختلفة.

وقد يحق لنا أن نختم بالقول بأن هذه المهام تتطلب شروطًا اجتماعية وثقافية عامة؛ أهمها وجود إجماع اجتماعي على هذا الدور وأهميته؛ وتبني الدولة لأهداف تنموية تقوم على رؤية للشراكة مع استبعاد التسلط والقهر والتهميش؛ وقدرة النخب السياسية والمدنية على أن تتجاوز خلافاتها وأن تعمل يدًا بيد من أجل الصالح العام.

اهداف الدراسة: -

دور المجتمع المدني الدولي في تحقيق الامن الإنساني والتعايش السلمي
أبعاد الامن الإنساني والتنوع الثقافي
تحديد خصائص العلاقة بين المجتمع المدني الدولي والإطار القانوني
دور العدالة والتعددية الثقافية والقيم السياسية في تحقيق العيش المشترك

تبرز أهمية البحث في عدة أمر من أهمها:

1. أهمية تحديد المعالم الأساسية للتعايش في الإسلام.

2. أهمية تحديد مفهوم التعايش المعاصر.

3. الحاجة إلى دراسة نقدية للمدارس المختلفة حول التعايش برؤية شرعية.

4. الحاجة إلى دراسة متعمقة في الموضوع نفسه، تنطلق من رؤية إسلامية تبين أصول التعايش في الإسلام والموقف مما يطرح في هذا العصر.

فرضيات الدراسة: -تنطلق الدراسة الراهنة من فرضية رئيسية هي:

دراسة نظرية لمفهوم النوع الاجتماعي والثقافي لتحقيق الامن الإنساني في ظل التعايش السلمي ومنها الفرضيات الفرعية الاتية:
الفرضية الاولي: تنامى الدور التنظيمي للمنظمات الدولية والقادر على اتخاذ المبادرات من أجل تكثيف الجهود ولترسيخ مفهوم المواطنة الحساسة للنوع الاجتماعي.
الفرضية الثاني: تمكيـن المجتمع المدنـي القادر بدوره على ضمان الممارسة الديمقراطية.

منهجية الدراسة: -تعتمد الدراسة الراهنة على منهجية المنهج التحليلي الوصفي في تحديد دور المجتمع المدني الدولي في تحقيق العيش المشترك سياسة للاعتراف قائمة على التزام يعزز حرية الاختيار والاستقلالية، وهذا الالتزام يفرض ويقتضي، بوجه خاص، الاعتراف بالانتماء الثقافي والتنوع المذهبي والديني في ضوء الشرائع السماوية كافة.

1-الاقتراب الوصفي التحليلي:

يمكننا استخدامه دون استخدام اقتراب أخر حيث يقوم الاقتراب الوصفي التحليلي في استعراض انشطة المنظمات الغير حكومية وتحليلها واستخلاص دلالات تأثيرها الإيجابي والسلبي على الأمن القومي المصري.

2-الاقتراب الأتصالى:

يحظى الاتصال في حياة الدول والمنظمات والجماعات بمكانة كبيرة، فالاتصالات تعتبر بمثابة شريان الحياة للنظام السياسي.

وبقدر الفهم واختيار الأسلوب التوصيلي يكون الأثر المطلوب في عمل تغيرات اقتصادية او غيرها في جميع مجالات الدولة وهو الأمر الذي يؤثر بدوره على الأمن القومي المصري حيث لا يمكن ان نغفل هنا ما قد يصيب هذه الرسائل وتلك المعلومات من تشويه وتغيير للحقائق. من الاهمية بمكان ان تستند البحوث والدراسات الي القواعد النظرية العلمية التي تساعد الباحث علي توجيه بحثه الي الاسباب التوضيحية والعوامل المفسرة ل (موضوع البحث) كما هي في دراستنا الراهنة.

مقدمة:

عرفت البشرية التعايش وإن لم تستخدمه بوصفه مصطلحاً في العصور القديمة، لوجود التشابه بين أفراد المجتمع وحاجتهم إلى بعضهم البعض ولا يقوم ذلك إلا بالتعايش فيما بينهم.

وعندما احتدم الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في القرن الماضي (العشرين)، وخشي الطرفان هلاكهما جميعا بسبب توازن قوتيهما رفع الاتحاد السوفييتي دعوة التعايش ورفعت الولايات المتحدة شعار الحوار، ولكل فريق منهما غاية يريد الوصول إليها من خلال دعوته، إلى أن انتصرت الولايات المتحدة على نظيرها بأساليب عديدة عرفت في وقتها بالحرب الباردة.

وفي أثناء الحرب الباردة كان الصراع بين العالم الغربي والعالم العربي، بسب العدوان الإسرائيلي على فلسطين بتواطئي من الغرب مع إسرائيل، وعندما كاد العرب أن يكسبوا الجولة في الصراع رفع الغرب شعار الحوار والتعايش بأهداف ومضامين فكرية، يستطيعون من خلالها تخفيف الضغط، وتحقيق مصالحهم الاستراتيجية، واستخدموا لتحقيق ذلك، وسائل عديدة منها تشويه الحضارة الإسلامية بأنها ليست حضارة تعايش تارة وإبراز الحضارة الغربية بأنها حضارة التعايش والتسامح تارة أخرى، ثم تطورت الدعوة إلى أن دخلت جميع المجالات الدينية والثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، والمحصلة النهائية من الدعوة هي فرض الهيمنة وترسيخ التبعية للعالم الغربي، ومع ذلك استجاب كثيرٌ من أبناء المسلمين لهذه الدعوة مما أثر في عقيدتهم وأخلاقهم وحياتهم السياسية والاجتماعية.

لذلك تم بيان هذه الأهداف والمنطلقات التي ينطلق منها الغرب في دعواه للتعايش.

التعايش السلمي مصطلح معاصر معناه القبول بالآخر المختلف إيديولوجيا ودينيا وعرقيا. بالرغم من التقدم الذي أحرزته البشرية في مجالات احترام حقوق الإنسان وحق الأقليات في العيش المشترك، فقد استفحلت النزاعات واستمرت الحروب، وتمّ الركوب على تلك الآليات الأممية والمعاهدات الدولية، من أجل تدخل الدول الكبرى في شؤون الدول الضعيفة، تحصينا لمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.

ترسيخ مبادئ التعايش السلمي في المجتمع العربي ضرورة وطنية وواجب انساني، ينبغي على جميع شرائح المجتمع العربي تعزيزها بالأيمان بجوهرها، والنأي بعيداً عن كل ما يؤدي الى شرخ هذا التعايش. اذا كان التعايش السلمي يجسد في جوانبه المختلفة مفهوم الانسجام بين ابناء المجتمع الواحد بمختلف انتماءاتهم القومية والدينية والمذهبية فضلا عن اتجاهاتهم وافكارهم، فأن ما يجمع هؤلاء هو وجود اواصر مشتركة من قبيل الارض والمصالح والمصير المشترك، ويستمد التعايش وجوده من خلال تفعيل هذه الاواصر وتغليبها على الاختلاف وصولا لبناء منظومة اجتماعية تقوم على التزام كافة اطراف المجتمع وفئاته بمبادئ الاحترام المتبادل لحرية الرأي والسلوك والتفكير بعيدا عن التهميش والاقصاء والتسلط والعنف، فالتعايش يحسم الكثير من العقبات والمشاكل الفكرية والاجتماعية التي يتمسك بها غلاة الطائفية والعنصرية والمذهبية التي تثير الصراع وتأججه،

وهذا بالنتيجة سينعكس ايجابيا على توطيد السلم الاهلي الذي يستطيع الانسان من خلاله ان يعيش حياته ويمارس اعماله بحرية مسؤولة، فضلا عن حصوله على حقوقه ومتطلبات عيشه بيسر وسهولة من دون ان يخشى الاعتداء على حقه وماله وامنه الشخصي او امن عائلته.

ان التعايش السلمي الذي اريد له ان يكون مشروعا يستهدف بناء المجتمع العربي من جديد ليعيده الى حالة من التوازن والاستقرار من اجل الانتقال بإيجابية الى مرحلة ما بعد داعش سينحرف عن مساره الحقيقي ويتحول الى مشروع سياسي يستهدف التصالح بين الفرقاء السياسيين بغية توزيع غنائم السلطة إذا ما تمت ادارته بطريقة غير سليمة وخاطئة مما سيؤدي الى تجاهل الالتزام الاخلاقي تجاه ضحايا انتهاكات حقوق الانسان الذي يعد ضرورة من ضرورات التحول الديمقراطي.

المبحث الأوّل: -مفهوم التعايش

عند الحديث عن مفهوم التعايش، يجد المرء لزاماً عليهِ تجلية المصطلح الذي يراد بيان مفهومه، إذ إن مصطلح "التعايش"، من المصطلحات الحديثة، الذي تتباين فيه وجهات النظر، لذا لا بد من بيان الدلالة اللغوية للمصطلح، واستعراض الدلالات الاصطلاحية له.

لفظ التعايش في اللغة ورد في المعجم الوسيط: تعايشوا عاشوا على الألفة والمودة، وعايشه عاش معه، والعيش معناه الحياة وما تكون به من المطعم والمشرب والدخل.

وفي الاصطلاح ثمّة من يعّرِف مفهوم التعايش السلمي "بأنّه سياسة خارجية تنتهجها الدولة المحبة للسلام وتستند إلى فلسفة مقتضاها نبذ الحرب بصفتها وسيلة لفض المنازعات وتعاون الدولة مع غيرها من الدول لاستغلال الإمكانيات المادية والطاقات الروحية استغلالاً يكفل تحقيق أقصى قدر ممكن من الرفاهية للبشر بغض النظر عن النظم السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية.

ويرى آخر: "أن مصطلح التعايش يعني قيام تعاون بين دول العالم على أساس من التفاهم وتبادل المصالح الاقتصادية والتجارية، كما يعني اتفاق الطرفين على تنظيم وسائل العيش بينهما، وفق قاعدة يحددانها مع تمهيد السبل المؤدية إليها".

ويرى آخر أنّ "التعايش السلمي يعني حالة من العلاقات الدولية تعيشها دول لها أنظمة اجتماعية متباينة أو ذات عقائد متعادية جنبا إلى جنب دون حرب.

والتعريفان الأخيران يتفقان مع لمفهوم التعايش لدى دول عدم الانحياز، الذي تقوم على "سياسة الحياد السياسي وليس الحياد القانوني، لأن التعايش السلمي من الناحية السياسية لا يقوم على أية التزامات أو نص قانوني، كما أنه لا يرفض التحالفات والمعاهدات العسكرية، إلا أن الهدف من سياسة التعايش السلمي يتمثل في عدم اللجوء إلى استعمال القوّة في العلاقات الدولية، أما الهدف من عدم الانحياز هو المحافظة على السلم الدولي والتعايش السلمي عن طريق رفض الدخول أو الانضمام إلى الأحلاف العسكرية.

وهناك من يرى أن التعايش السلمي لا يقوم فقط بين الدول وإنما بين الشعوب أيضًا، وهنا تكمن الأهمية والضرورة معًا، إذ إن محرك السلم كمحرك الحرب تمامًا ليس علاقة دولة بدولة، وإنما بصورة أعمق علاقة الشعوب بعضها ببعض. قد يُخيّل إلى البعض أنّ الشعوب التي سبقت ظهور المعسكرين الشرقي والغربي لم تعرف التعايش السلمي وذلك بحكم حداثة المصطلح إلا أن الدلائل التاريخية تفيد بما لا يقبل الشك بأنّ شعوب العالم قد عرفت حالة التعايش السلمي وإن لم تستخدم المصطلح نفسه، وكان قيامها على أساس التشابه بين أفراد المجتمع، ثمّ لم تلبث أن تطورت بعد ذلك لتقوم بناء على الاحتياج،

ومن ثم فإنه كلما اتسع نطاق المنظورين في تكتل بشري معين، ضعف عنصر التشابه على أهميته وقوي عنصر الاحتياج وزادت معه ضرورة التعايش، ويشير مصطلح التعايش إلى وضعية معينة أو حالة بعينها قد تظهر في مكان وتختفي في مكان آخر، وقد توجد في فترة أو عصر معين وتختفي في عصور أخرى".

أما نشأة مصطلح التعايش بالمفهوم المعاصر فقد نشأ كما سبقت الإشارة إلى ذلك بين المعسكرين الشرقي والغربي، حين عجز كلا المعسكرين عن القضاء على الآخر وكان قاصرا عليهما، فقد رفع المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي السابق شعار التعايش السلمي كما سبق بيانه، ورفع المعسكر الغربي بقيادة أمريكا شعار الحوار بدلاً من الحرب.

حيث بدأ الاتجاه إلى تسوية الخلافات بين المعسكرين بالتعايش سنة1953م، قبل إطلاق خروتشوف لمصطلح التعايش السلمي في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي سنة 1956م، وقد كان هذا التحول محصلة لتأثير مدخلات مهمة، من أبرزها الرعب الذري بين المعسكرين، ففي عام 1949م تمكن الاتحاد السوفيتي من امتلاك القنبلة النووية، وفي عام 1953م القنبلة الهيدروجينية، وغيرهما فصار قادراً على رفد قدرته العسكرية التقليدية، المؤثرة أصلاً، بسلاح نوعي مضاف بالغ الأهمية، وقد فرض على العلاقة بين الطرفين أن تبقى متمسكة بقواعد اللعبة النووية وعدم تجاوزها، فالخشية من الدمار كانت حقيقة

فليس بوسع كل من الدولتين العظميين أن تحارب إحداهما الأخرى في أي وقت أو في أي ظرف إنّ القدرة العسكرية الضخمة لكل طرف تجعل فكرة الحرب باطلة بحسبانها وسيلة للسياسة القومية، فكلفة حرب تقليدية أو نووية شاملة لكلا الطرفين ستتجاوز كل الفوائد التي يمكن تصّورها بكثير.

يقول التويجري: "لقد اقترن ظهور المصطلح بتزايد حدة ما كان يُعرف بالحرب الباردة بين المعسكرين السابقين بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفيتي السابق، وتزامن هذا الظهور مع تصاعد ضراوة الصراع الأيديولوجي والسياسي بين القوتين العظميين، فكان الحوار الذي طرح الغرب فكرته مقابل التعايش الذي رفع المعسكر الشيوعي شعاره وتبنى فلسفته، ولكل دعوة غايتها وفي كلتا الحالتين فإن الكاسب هو صاحب الدعوة والمنادي بها والمدافع عنها.

أخيراً استناداً إلى ما سبق يمكن تصنيف التعايش إلى مستويات ثلاثة:

المستوى الأول: سياسي، إيديولوجي، يحمل معنى الحدّ من الصراع، أو ترويض الخلاف العقائدي بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي في مرحلة الحرب الباردة، أو العمل على احتوائه، أو التحكُّم في إدارة هذا الصراع بما يفتح قنوات للتواصل، والتعامل الذي تقتضيه ضرورات الحياة المدنية والعسكرية.

المستوى الثاني: اقتصادي، يرمز إلى علاقات التعاون بين الحكومات والشعوب فيما له صلةٌ بالمسائل القانونية والاقتصادية والتجارية، من قريب أو بعيد.

المستوى الثالث: ديني، ثقافي، حضاري، وهو الأحدث، ويشمل تحديداً معنى التعايش الديني، أو التعايش الحضاري وهذا على مستوى الأفراد داخل المجتمع الواحد وبين الشعوب والمجتمعات الإنسانية.

تأثير عدة عوامل على النحو الآتي:

1. وجود الكيان الصهيوني في أرض بيت المقدس وتواطؤ القوى الغربية معه وكان لتدخل الولايات المتحدة لإنقاذ إسرائيل من الهزيمة عام 1973م أثرٌ في إحساس العرب والمسلمين بالمرارة تجاه هذه السياسة.

2. تأثير قوى الضغط المتمثلة في اللوبي الصهيوني، الذي يدفع الولايات المتحدة إلى التضحية بمصالحها الوطنية بتوفير كل الدعم لإسرائيل على حساب خصومها العرب.

3. ظهور جماعات المقاومة المسلحة بوصفها وسيلة من وسائل الاحتجاج ضد الظلم الإسرائيلي، انطلاقا من الواقع الموضوعي ومن مرجعية شرعية تتمثل في إجماع علماء المسلمين، بكافة انتماءاتهم السياسية، على أن الجهاد القتالي ضد إسرائيل واجب قطعي الدلالة.

4. غياب المعادلة الاستراتيجية للتفوق الغربي، وبروز العالم الإسلامي كحضارة تمتلك مقومات القوة والتي تمثل خطراً على العالم الغربي.

5. تشويه الإعلام الغربي لصورة الإسلام، والهجوم عليه بأنه دين التطرف والعنف مما جعل المفكرين المسلمين يدافعون عنه بوصفه دين التسامح والتعايش.

وهذه العوامل أثر تأثيراً فاعلاً في تطور فكرة التعايش من المستوى الإيديولوجي والسياسي وهو ما أطلق عليه التعايش أول الأمر، وصاحبه المستوى الاقتصادي إلى أن يشمل المستوى الديني والثقافي والحضاري فأصبح "التعايش السلمي لا يقوم فقط بين الدول وإنما بين الشعوب أيضًا، وهنا تكمن الأهمية والضرورة معًا، إذ إن محرك السلم كمحرك الحرب تمامًا ليس علاقة دولة بدولة، وإنما -بصورة أعمق -علاقة الشعوب بعضها ببعض".

وهذا ما أكدته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) حينما حثت على ضرورة تعايش الأجيال الحاضرة مع أجيال المستقبل في ظل أجواء يسودها السلام والأمان واحترام حقوق الإنسان والحقوق الأساسية وترى أن على الأجيال الحاضرة تجنيب أجيال المستقبل المعاناة الناجمة من الحروب من خلال الحيلولة دون تعرضهم للأضرار الناجمة عن النزاعات المسلحة ووضع الصيغ المناسبة التي تحد من استخدام الأسلحة ضد المبادئ الإنسانية وقد تبنت هذه الفكرة المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسسكو) ونظرت لها حيث أصدرت كتابا بعنوان (مفهوم التعايش في الإسلام).

أن جهود التعايش يمكن أن تكون أساسية لبناء مجتمع مزقته الحروب كما تم التعامل مع الأثر الإيجابي والسلبي الذي يقدمه الدين، وأما المجالات الأخرى فقد أسهمت فيها برامج أخرى مثل برامج الصحة الجسدية والعقلية والرياضية، وبناء قوة شرطة مدنية، ونزع السلاح، والمجتمع المدني بشكل عام".

إذا كان الإنسان هو الركيزة الفعالة في بناء المجتمعات الإنسانية المتقدمة، والمتحضرة، فإن ذلك سيجعل الأفراد يتعاونون مع بعضهم البعض؛ من أجل تحقيق الكثير من النجاحات للأمة – جميعها -،

ولذلك أوصت الأديان البشر بكل ما ينفعهم، ونهتهم عن كل ما يضرهم، عن اقتناع لديهم، وبكامل رغبتهم، وباختيارهم الكامل؛ –

ولذا – فإن الابتعاد عن العصبيات – السياسية والأيديولوجية -، والتي عملت على بث الفرقة، وزرع الحساسيات، وتغذية الأحقاد في ما بينها، ووقفت عائقا أمام طريق التواصل، والتجاور الذي يرغب به، أصبح حقا مشروعا – اليوم – أكثر مما مضى. الرهان على انتصارات الزيارة التاريخية ما زال قائما،

إذ حملت في طياتها الرؤية المتجددة للسلام، والتعايش بين العالم، ومواجهة جميع التحديات، والعقبات التي تواجه الإنسانية، وكانت – بلا شك – ذات دلالة رمزية، تكمن في عزم القيادات الدينية على فتح حوار حضاري، بعيدا عن رسم سياسة إلغاء الآخر، أو المصادرة، والخصام، والضرب على أيدي العادين، ومدبِّري الفتن – أيًّا كان دينهم -.

يسيطر على الأغلبية في الغرب فكرٌ مؤداه ضرورة فرض النموذج الحضاري الغربي سياسيا واقتصاديا بل واجتماعيا على كافة الحضارات، بحجة أنه النموذج الفريد والأمثل والصالح لكل زمان ومكان وأنه متفوق على ما عداه من نماذج، خاصة النموذج الإسلامي، بدعوى عدم قدرة الحضارة الإسلامية على الإبداع أو المساهمة في مسار الحضارة العالمية الراهنة، يؤيدهم في ذلك ميراث المعرفة الغربي عن المسلمين والإسلام والذي صنعه المستشرقون عن المسلمين وتؤكده وسائل الإعلام الغربية دون بحث أو تدقيق.

ولقد أثر هذا المفهوم الشائع واقعيا في سلوك الغرب للتعايش مع غيرهم من الشعوب الأخرى، والذي بدوره أدى إلى خلل واقعي في أهم شروط التعايش وهو العدل وإعطاء الحقوق، وهذا مشاهد في التعامل الغربي مع قضايا المسلمين.

مما لا شك فيه أن للعقيدة والأخلاق والأعمال أثرا في النفوس سواء كانت صحيحة أم باطلة، أراد الإنسان أم لم يرد، فهو يعيش باحثا عن ذاته، ومحققا لوجوده في الحياة، النابعة من معتقداته الدينية، وقيمه الخلقية وسلوكياته العملية، والغرب في الحقيقة قد جمع عقائد شتى متعددة أثرت في جانبه الخلقي والعملي، فترى في الأوساط الفكرية والثقافية للغرب دعوات الهجوم على الإسلام والمسلمين في حين يدعون إلى التعايش من طرف آخر.

المبحث الثاني: آثار دعوة التعايش على المسلمين.

تمهيد:

بعد أن تجلت لدينا، أسس دعوة التعايش المعاصر وأهدافها، نأتي هنا للحديث عن آثار هذه الدعوة على المسلمين، ولا ننفي أن المسلمين استفادوا من خلال التعايش مع الغرب في تطوير حياتهم المادية، من خلال المنجزات التقنية المتفوقة لدى الغرب، ولا غبار في جواز الاستفادة من هذه المنجزات التقنية، إلا أنّ الانبهار بتلك المنجزات والانسياق وراء الغرب والدخول مع الغرب في تعايش في جميع المجالات، جر على الأمة آثاراً ثقافية واجتماعية، واقتصادية انعكست سلبا على العقيدة والشريعة الإسلامية. والمتأمل في أقطار العالم الإسلامي يجد أن المسلمين يخوضون صراعا فكرياً، بل معركة فكرية بين الأفكار والقيم الإسلامية والقيم الغربية، ولابد أن يكون للمسلم موقف من ذلك، "فالانتفاع بآثار الكفار والمنافقين في أمور الدنيا جائز، كما يجوز السكنى في ديارهم ولبس ثيابهم واستخدام سلاحهم. وأخذ علم الطب من كتبهم مثل الاستدلال بالكافر على الطريق واستطبابه؛ بل هذا أحسن، لأنّ كتبهم لم يكتبوها لمعين من المسلمين حتى تدخل فيها الخيانة.

ويمكن القول إن المسلمين لم يعملوا بالموقف الصحيح من الغرب، بل أقبلوا على حضارته يأخذون الضار والنافع منها دون وعي ولا تمييز، وربما طغى الضار على النافع! ولهذا برز من خلال التوسع في التعايش مع الغرب في الوقت الحاضر آثار عديدة ولا تزال ممتدة حيث دخل التعايش معظم جوانب الحياة، ولست في مقام الحصر، وإنما أشير إلى نماذج من الآثار، وسوف أتناول هذه الآثار من خلال المحاور لآتية:

1. الآثار الثقافية والأخلاقية.

2. الآثار الاجتماعية والاقتصادية.

المدخل الأول: -الآثار الثقافية والأخلاقية

إن تأسيس التعايش على الهيمنة تفقد التعايش قيمته، بحيث يظهر أثر المُهيمِن على المهيمَن كما هو دأب الغالب على المغلوب ولذا فإن من أخطر الآثار الثقافية للتعايش التي تأثرت بها معظم المجتمعات الإسلامية الراهنة؛ انبهارها الشديد وتبعيتها الثقافية للحضارة الغربية، التي شكلت شخصية مجموعة من أبناء المسلمين على نمط شخصيات أبناء الغرب وغيرت عقولهم إلى حد أنّ عقولهم أصبحت لا تستطيع أن تستسيغ الإسلام الصحيح، فانسلخ أناس عن الإسلام وارتموا في التبعية الغربية.

"لقد كانوا من الذين فتنتهم الحضارة الغربية المزدهرة حين عاشوا في البلاد الأوروبية، أو نشأُوا في مدارسها في أنحاء الشرق، واستمدوا مثلهم العليا في حياتهم من ثقافة الغرب.... فهم يعرفون عن تاريخ انكلترا وفرنسا أضعاف ما يعرفون عن تاريخ المسلمين أو العرب، وهم يعرفون تاريخ الكنيسة الأوروبية وما بين مذاهبها من خلاف أكثر مما يعرفون عن أعلام الحضارة الإسلامية والعربية، ويعيشون في بيوتهم حياة تكاد تشبه في مظهرها الحياة الغربية، فلربما وكلوا إلى بعض المربيات الأجنبيات تنشئة أبنائهم والقيام بتربيتهم. وبذلك توثقت الصلات الثقافية والروحية بينهم وبين الغرب".

"لقد كان موقف المسلمين من الغرب وحضارته موقفاً مضطرباً اتصف بالذهول وعدم الوعي والتمييز بين ما يمتلكه من منافع وأضرار، بينما يقتضي الواجب اقتباس ما لديه من منافع، وترك الأضرار والمفاسد.

أمّا الذي حدث فقد كان غير ذلك، لقد وقفوا من النافع والفاسد موقفاً مختلفاً! فأما الأشياء النافعة فقد اتجهوا إليها ولكن بجهد متقاعس متخاذل متعثر الخطوات، وأمّا الفساد فقد سارعوا إليه فاستوعبوه كله، وعبوا منه عباً كأنما هو الزاد". "لهذا فإنّ هؤلاء المنتسبين إلى الإسلام قد أصبحوا لا يرون الحياة إلا بمنظار الغرب وثقافته وفلسفته وفكره وروحه، فمنهم من يزعم: أنه لا يقرأ كتاباً عربياً وآخر يقول: إنني أفكر بالفرنسية وأكتب بالعربية.

وزعم بعض الكتاب أنه لا مفر للمسلمين من السير وفق الغرب في كل شيء، رضينا أم أبينا، وإلا فمآلهم إلى الاضمحلال لا محالة! فما علينا إلا أن نختار أحد الحاليين، إما أن نقبل الحضارة الغربية أو نظل مستعبدين لقوى الغرب. وبلغ الإعجاب بالغرب بأحد الكتاب المسلمين (المستغربين) مبلغاً متناهياً ـ دعاه فيه إلى القول: "إنه لا يستطيع أن يتصور نهضة لأمة شرقية لا تخضع للمبادئ الأوروبية في الحرية والمساواة والدستور".
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS
حول الخبر إلى وورد

ملخصات تغذية الموقع
جميع حقوق النشر محفوظة 2009 - (صنعاء نيوز)