صنعاء نيوز - بقلم: عمر دغوغي الإدريسي صحفي وفاعل جمعوي

الإثنين, 12-فبراير-2018
صنعاء نيوز/بقلم: عمر دغوغي الإدريسي صحفي وفاعل جمعوي -

بقلم: عمر دغوغي الإدريسي صحفي وفاعل جمعوي O.daoughi@gmail.com https://www.facebook.com/dghoughi.idrissi.officiel/
النظرية التكوينية عند جان بياجي:
إذا كان المغرب قد طبق نظرية دوركايم على الصعيد التربوي الاجتماعي والسياسي، فإنه طبق تصورات جان بياجيه (J.Piajet) على الصعيد التربوي والنفسي؛ لما لها من أهمية نظرية وتطبيقية في التعامل مع الطفل في مختلف مراحله العمرية.
هذا، وتنبني الإبستمولوجيا التكوينية عند جان بياجيه على المقتربات: السيكولوجية والبيولوجية والمنطقية، بمعنى أن جان بياجي قد ركز في مختلف دراساته على تبيان كيفية تطور التفكير عند الطفل عبر مجموعة من المراحل العمرية المختلفة، وكيف يحقق نوعا من التوازن من خلال التفاعل البنيوي التكويني بين الذات والموضوع أو بين الذكاء والبيئة.
هذا، وقد تمثل جان بياجيه الملاحظة العلمية المنظمة في تجاربه العلمية حين رصده لمختلف المراحل التي كان يمر بها طفله، كما استرشد أيضا بتعاليم فلسفة كانط الألماني، حينما بين بأن الطفل في تعلمه لا يعتمد فقط على حواسه، بل يشغل أيضا قدراته العقلية والفطرية والمنطقية في اكتساب المعرفة وبالتالي، يعرف مجموعة من العمليات المنطقية البديهية، مثل: السببية، والزمان، والمكان، وديمومة الأشياء.
ومن ثم، يرى بياجيه بأن الذكاء ناتج عن الترابط البنيوي بين الخبرة والنضج ومن ثم، فالذكاء عبارة عن عمليات عقلية ناضجة تساعد الطفل على التكيف والتأقلم إيجابيا مع بيئته. ويعني هذا أن الطفل الذكي هو الذي يستعمل مجموعة من الإستراتيجيات العقلية والمنطقية للتعامل مع بيئته تكيفا عبر طريقين هما: الاستيعاب والملائمة.
ويقصد بالتمثيل استيعاب خبرات البيئة عن طريق التحكم فيها أو تغييرها جزئيا أو كليا لتحقيق نوع من التوازن مع الواقع الخارجي، علاوة على ملائمة الخبرات القديمة مع الوقائع الجديدة أثناء التعامل مع البيئة. ويعني التوازن عند بياجيه انسجام الطفل عقليا وجسديا مع متطلبات المحيط وبيئته.
وينضاف إلى هذا أن جان بياجي حدد أربع مراحل نفسية وتربوية، هي: المرحلة الحسية الحركية، وتمتد من لحظة الميلاد حتى السنة الثانية، ومرحلة ما قبل العمليات، وتبتدئ من السنة الثانية حتى السنة السابعة، ومرحلة العمليات المادية أو الحسية، وتبتدئ من السنة السابعة حتى السنة الحادية عشرة، ومرحلة التفكير المجرد، وتبتدئ من السنة الثانية عشرة إلى بداية فترة المراهقة، ويعني هذا أن الطفل في تعلمه ونموه العقلي والجسدي ينتقل من مستوى المحسوس إلى مستوى المجرد.
و لاننسى بأن المنظومة التربوية والتعليمية والإدارية المغربية تأخذ بنظرية جان بياجيه في وضع البرامج والمقررات، ومراعاة التدريج في اختيار المحتويات حسب النمو العقلي والبيولوجي للمتعلم.
كما تعتمد نظريته في التدريس حين التعامل مع ثنائية المحسوس والمجرد، مع الاستعانة بالتصنيف العمري في تقسيم المراحل الدراسية إلى المستويات التالية: الابتدائي، والإعدادي، والثانوي، والجامعي.
الاسترشاد بمبادئ التربية الحديثة:
تعتبر مبادئ التربية الحديثة أو الطرائق الفعالة من أهم التقنيات والآليات الإجرائية لتحقيق الديمقراطية الحقيقية ، سيما أنها من مقومات التربية الحديثة والمعاصرة في الغرب، كما قال السيد بلوخ( Bloch) حينما أعلن بأن نجاح المدرسة الفعالة: " لازم من أجل بزوغ مجتمع ديمقراطي لايمكن أن يكون كذلك إلا عن طريق منطوق مؤسساته".
وقد ظهرت هذه الطرائق الفعالة في أوروبا، وبالضبط في أواخر القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين، مع كل من: ماريا مونتيسوري Maria Montessori ، وجون ديويDewey، وكلاباريد Claparide ، وكرشنشتاير Kerschensteiner، وفرينيه Freinet، وكارل روجرز Rogers، ومكارنكو Makarenko، وريبول Reboul، وفيريير. Ferrière، وجان بياجيه J.Piaget
وتعتمد هذه الطرق الفعالة الحديثة على عدة مبادئ أساسية هي: اللعب، وتعلم الحياة عن طريق الحياة، والتعلم الذاتي،والحرية، والمنفعة العملية، وتفتح الشخصية، والاعتماد على السيكولوجيا الحديثة، والاستهداء بالفكر التعاوني، و الأخذ بالتسيير الذاتي، وتطبيق اللاتوجيهية ، ودمقرطة التربية والتعليم.
هذا ، ويؤكد أصحاب الطرائق الفعالة الحديثة، بلغة تكاد تكون واحدة، رفضهم القاطع للنزعة التسلطية والتلقينية مع ضرورة:" تدعيم ولادة مجتمع ديمقراطي، مادامت المدرسة التقليدية لا تكون الكيان الشخصي، كما لا تحقق الدمج الاجتماعي، بل تؤدي على العكس في آن واحد إلى تمييع المجتمع، وإلى قيام النزعة الفردية الأنانية.
ويضيف أولهم، ونعني كلاباريد، أن علاج مثل هذه النقيصة لا يكون بأن ندخل على هامش الأمر تربية مدنية غريبة عن أي تربية من هذا الطراز التقليدي، وجميعهم يشيد بالقيادة الذاتية لسبب وحيد هو أنهم يريدون أن يحلوا محل النظم الزجرية التي ييسر الترويض ذيوعها وانتشارها، بأخرى جديدة تشتمل على المشاركة والمسؤولية، وبالتالي، على ما ييسر انطلاق الشعور الغيري.
وأخيرا، إنهم يخشون، في حال غياب التدريب المناسب، أن تنحدر الديمقراطية فتغدو حكم التفاهة والضعة".
إذأ، لقد تمثل المغرب في مؤسساته التربوية والتعليمية، بشكل من الأشكال، مختلف النظريات والتصورات التي نادت إليها التربية الحديثة أو الطرائق الفعالة والنشيطة في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.
النظريـــات اللسانيـــة:
استفادت المدرسة المغربية من تطبيق مجموعة من المقاربات اللسانية على المستوى البيداغوجي والديداكتيكي، مثل: تطبيق البنيوية السوسيرية، والاسترشاد بالبنيوية الوظيفية، والانفتاح على النحو ألتأليفي، والاطلاع على الكلوسيماتيكية، و تطبيق التوزيعية السلوكية في النحو والإعراب بالسلك الابتدائي، والانطلاق من التوليدية التحويلية لنوام شومسكي في مقررات البكالوريا الأدبية، والاستهداء بالتداوليات الوظيفية التي انطلقت مع فان ديك وسيمون ديك، من خلال تمثلها ديداكتيكيا، وتطبيقها في دروس اللغة والأدب واللسانيات والسيميائيات والبيداغوجيا والديداكتيك.
وهكذا، نجد أن نظرية الأهداف تقترن بالسلوكية البنيوية في حين، تنبني المقاربة بالكافيات على التوليدية التحويلية، كما استعملت المقاربة التداولية في التواصل الحواري في تدريس اللغات، من خلال ربط الكلام بسياقه التواصلي والتخاطبي.
نظــرية الجودة التربوية:
تعد جودة التعليم أولى الأولويات للسياسات التربوية لدول العالم؛ لما يفرضه عالم اليوم من إكراهات سياسية واقتصادية، وتسابق في مجال التكنولوجيا والمبادلات التجارية، وهيمنة فلسفة العولمة والتشارك والاتصال، وهذا ما يجعل الدول تفكر في إصلاح المنظومة التعليمية، كلما تغيرت الظروف والرهانات المستقبلية والاقتصادية والأمنية.
هذا، وإذا تصفحنا معاجم اللغة العربية، فإننا نجد كلمة الجودة تعني الإتقان والإحكام، وهي نقيض الرداءة، جاد الشيء جوده وجودة أي: صار جيدا وقد جاد جودة وأجاد: أتى بالجيد من القول أو الفعل.
وبذلك، تكون الجودة هي الإتقان القولي والفعلي، وهذه المعاني تقصدها أيضا قواميس اللغات الأجنبية وتجعل من الجودة ( كاليتيه)/Quality)صفة للتمييز بين الجيد والرديء
وتعني الجودة في المفهوم الاقتصادي التراضي بين الطرفين: البائع والمشتري حول البضاعة المتعاقد عليها من حيث الكيف والكم،ويعني هذا أن الجودة لها شقان أساسيان: الجانب الكي يتمثل في المردودية، والجانب الكيفي الذي يكمن في الجودة.
ويقصد بالجودة في الميدان التعليمي ما أشار إليه وزير التعليم الدكتور حبيب المالكي حينما صرح بأن " الجودة ليست شيئا جامدا، بل إنني أكاد أشبهها بذلك النهر الذي يساعد على إخصاب الأرض حتى تكون في مستوى الآمال المعقودة عليها في ما يتعلق بالمردودية، لأن الجودة، انطلاقا من هذا التشبيه المجازي، مسلسل، وليست نقطة في فراغ.
لذلك، فحينما نتحدث عن الجودة ينبغي لنا أن نستوعب أننا نتحدث بالضرورة عن الاهتمام بجماليات الفضاء، وعن توفير النقل المدرسي، وعن الإطعام والداخليات بالعالم القروي، وتطوير المناهج ، وتجديد الكتب المدرسية.
كما أننا حينما نتحدث عن الجودة دائما، فإننا نتحدث كذلك عن التكوين المستمر للأستاذ بكيفية متواصلة ودائمة، وتفعيل دور المفتش لهذا، فإن الجودة بهذا المعنى، هي هدف ووسيلة في الوقت نفسه.
وهناك من يعتبر أن الجودة لا تتحقق إلا عندما تستجيب المدرسة المغربية لما يطمح إليه المغاربة من مستقبل زاهر وآمال معقودة، وعندما يرضى عليها كل التلاميذ والأساتذة والأطر الإدارية والآباء وأولياء الأمور بصفة خاصة،والشعب المغربي بصفة عامة.

وإذا عدنا إلى التعليم المغربي وجدنا الجودة تقترن ارتباطا جدليا بالإصلاح والتغيير والاستحداث، وقد عرف النظام التعليمي المغربي ورشات إصلاحية كبرى منذ الاستقلال إلى يومنا هذا ويمكن أن نحدد مجموعة من هذه الإصلاحات وهي:
إصلاح 1957 الذي استهدف تأسيس المدرسة الوطنية المغربية، وقد ارتبطت الجودة ضمن هذا المنظور الإصلاحي بالمبادئ الأربعة: التعميم والمغربة والتوحيد والتعريب.
إصلاح 1985 الذي كان بعنوان(نحو نظام تربوي جديد) الذي فرضه التقويم الهيكلي والبنك الدولي والتطور التكنولوجي الهائل، وقد اقترنت الجودة التربوية في هذا الإصلاح التربوي بمراجعة الكتب المدرسية، وإعادة النظر في المناهج الدراسية وفي مضامينه ،وتنويع التعليم، وتحسين تدريس اللغات، وتعزيز مسلسل التعريب ،وإعطاء الأهمية للترجمة، وفتح شعبة التبريز لتكوين المدرسين وتقويتهم في المواد العلمية، وتنمية العلوم الرياضية والتقنية، و إحداث مسالك اللغات لتحقيق إصلاح بيداغوجي ناجع.
إصلاح 1994 الذي استهدف تجديد منظومتنا التربوية والمؤسسات التعليمية، وارتبطت الجودة فيه بمشروع المؤسسة و الشراكة التربوية، كما تنص على ذلك المذكرة الوزارية رقم 73 بتاريخ 12 أبريل 1994.
إصلاح 2000 م الذي يسمى بالميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي خصص مجاله الثالث للرفع من جودة التربية والتكوين من حيث المحتوى والمناهج، بغية التخفيف والتبسيط والمرونة والتكيف.
وتتم هذه الجودة بمراجعة البرامج والمناهج، وإعادة النظر في الكتب والمراجع المدرسية والجداول الزمنية والإيقاعات الدراسية، وتقويم أنواع التعلم، وتوجيه المتعلمين، وتهم هذه المراجعة مجموع المؤسسات العمومية والخاصة، وينطلق هذا الإصلاح من فلسفة الكفايات والوضعيات البيداغوجية.
هذا، وبعد أن اهتمت الوزارة بالجانب الكمي، كتعميم التمدرس ومحاولة القضاء على الأمية، ومحاربة ظاهرة التسرب الدراسي والفشل التربوي وتعثر التلاميذ على حد سواء، وجدت الوزارة نفسها أمام مشكل عويص ألا و هو تدني مستوى التعليم ، وهزالة المردودية، والضعف اللغوي والعلمي والتقني لدى التلميذ ، وعدم قدرته على التكيف مع الوضعيات التكنولوجية والإعلامية الجديدة؛ مما دفع الوزارة إلى التفكير في الاهتمام بالجانب الكيفي، بدلا من الاهتمام بالجانب الكمي الذي استنزف أموالا باهظة من ميزانية الدولة التي وصلت إلى حد 26% من الميزانية العامة للبلاد.
وفي هذا الصدد، يقول محمد الدريج :" إن الانكباب على حل المشاكل الكمية خاصة ما ارتبط منها بالخلل بين العرض والطلب( صعوبات تعميم التعليم وتمويله وترشيد الإنفاق عليه) لا ينبغي أن يشغلنا عن العناية بجودة التعليم، والتي تشكل هدفا يهم كل الفاعلين في المجال التربوي- التعليمي على الصعيد العالمي.
هذا، وترتبط الجودة في منظومتنا التربوية بجانبين أساسين هما: جودة الإدارة و جودة المنظومة التربوية وعملياتها التعليمية / التعليمية.
ويمكن الذهاب بعيدا بأن الجودة لا يمكن أن تتحقق إلا في مجتمع ديمقراطي حقوقي وحداثي، يؤمن بالعلم، والنظام ، والابتكار، والإبداعية، والعمل الجماعي، وتقديس العمل، والتفاني فيه. ويؤمن كذلك بالانفتاح والحوار والتناص الثقافي، ويساهم في إثراء الحضارة الإنسانية.
يتبع ......

تمت طباعة الخبر في: الجمعة, 16-نوفمبر-2018 الساعة: 01:20 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.sanaanews.net/news-58072.htm